الهلال الخصيبشخصيات عربيةعاجل

الساعات الأخيرة في قصر “الأسد” .. ألعاب الفيديو والجنس والكبتاغون وأوهام “الملك”

كتب: هانى الكنيسى 

على غرار “فانتازيا” ملفات إبستين، يكشف التحقيق الاستقصائي الذي نشرته مجلة “ذي أتلانتيك” مؤخرًا، تفاصيل مثيرة عن أجواء الساعات الأخيرة قبل سقوط الأسد في ديسمبر 2024، وعن علاقته “الغامضة” بمستشارته الإعلامية لونا الشبل. 

ووفقاً للتقرير المطوّل الذي أعدّه الصحفي ‘روبرت وورث’ Robert Worth مستنداً إلى شهادات مسؤولين سوريين سابقين، وضباط في حزب الله، ومسؤولين إسرائيليين ولبنانيين، فقد كان بشار الأسد منفصلًا تماماً عن الواقع في ذروة تدهور الوضع الميداني وسقوط المدن تباعًا في يد المعارضة المسلحة بقيادة “الجولاني”. إلى حد أنه “أمضى الساعات منهمكا في لعبة ‘كاندي كراش’ على هاتفه المحمول”، حسبما نقل عن مصدر في حزب الله. 

وبلغ هذا الانفصام أوجه في 7 ديسمبر 2024 (قبل يوم من سقوط دمشق)، حين عُقد اجتماع إقليمي في الدوحة بمشاركة وزراء خارجية من دول المنطقة وخارجها، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه،وباءت كل محاولات التواصل مع الأسد بالفشل لأنه “أغلق هاتفه ولم يشارك في أي نقاش”.

ليلة الانهيار والإنكار

عاد الأسد مساء ذلك اليوم إلى مقر إقامته في حي المالكي بدمشق، وظهر هادئًا على نحوٍ يثير الدهشة. طمأن محيطه أن دول الخليج ستمنع تقدّم الفصائل المعارضة، رغم تواتر الأنباء عن سقوط حمص.

لكن في الساعة الحادية عشرة ليلًا، عرض عليه المسؤولون الروس تسجيلات مصوّرة تُظهر توقف وحدات من الجيش عن القتال. عندها، وفي ساعات الفجر الأولى، أدرك الأسد أن نظامه قد انهار فعليًا، وبدأ التحضير للفرار.

وبعدها بقليل، غادر الأسد منزله برفقة نجله حافظ واثنين فقط من مساعديه، تاركًا خلفه معظم أفراد حاشيته. وتنقل المجلة الأمريكية عن أحد مرافقيه أنه وجّه لومه إلى المحيطين به، قائلاً بغضب: “لم يضحِّ أحد من أجلي”، قبل أن يتجه إلى موقع كانت تنتظره فيه قوات روسية لتأمين خروجه.

المستشارة “العشيقة”، ولغز حادث “النهاية”

أحد أكثر فصول التحقيق إثارة يتعلّق بالدور الخفي لمذيعة الجزيرة السابقة لونا الشبل، التي عيّنها الأسد مستشارة الاتصالات في القصر الجمهوري، وتمتّعت بسلطات مطلقة وبنفوذ مشهود قبل أن تلقى حتفها إثر حادث سيارة “أحاطته الشبهات” في صيف 2024. إذ نقلت ‘ذي أتلانتك’ عن مسؤولين وضباط سوريين أن الدرزية الشقراء لم تكن فقط “عشيقة بشار”، بل كانت “مسؤولة عن جلب النساء له، بما في ذلك زوجات ضباط كبار”!! 

وتمضي الرواية في تأكيد نظرية أن الإيرانيين (بالتحديد الجنرال قاسم سليماني) كانت لديهم شكوك قوية بأن لونا “جاسوسة (لإسرائيل)”، ثم ظهرت شكوك بأنها “أصبحت عميلة لروسيا”. ونقلت المجلة عن مسؤول إسرائيلي سابق تأكيده بأن “الأسد نفسه هو من أمر باغتيالها”، بعد الاشتباه بأنها تنقل معلومات لموسكو حول النشاط الإيراني في سوريا.

اقتصاد ‘المخدرات’ ونقمة الجيش

التحقيق يشير إلى أن عائلة الأسد كانت تعيش حياة بذخ بفضل الأرباح التي تجنيها من “تجارة مخدرات ‘الكبتاغون’، وشبكات التهريب التي يديرها المقربون”، بينما كان ضباط الجيش يعيشون “في فقر مدقع”. 

هذا التناقض -بحسب مسؤولين سوريين سابقين- عمّق الهوة بين القصر والمؤسسة العسكرية، وأسهم في تآكل ما تبقى من ولاء داخلي للنظام.

أحضان إيران، وتواطؤ إسرائيل، والفرص الضائعة

يزعم تحقيق “ذي أتلانتيك” أن الأسد كان بإمكانه إنقاذ نظامه “خلال السنوات الخمس الأخيرة”، لكن “عناده وغروره ورفضه تقديم أي تنازل سياسي، كانت كفيلة بإغلاق كل أبواب النجاة”. 

ورغم الضربات التي تلقّاها محور إيران (لا سيما بعد مقتل حسن نصر الله في بيروت أكتوبر 2023)، وانشغال روسيا بحربها في أوكرانيا، فإن بشار لم يُبدِ أي استعداد للتغيير. واستمر في تجاهل نصائح المخضرمين من عهد والده حافظ الأسد، واعتمد على “دائرة صغيرة من الشباب محدودي الخبرة والموهبة”. 

ووفقا للتحقيق، فقد تفاوضت الإمارات مع دمشق منذ 2017 لانتشالها من أزمتها المالية بشرط “أن ينأى الأسد بنفسه عن إيران”، لكنه أصر على المراوغة فضاعت الفرصة، وهو ما دفع مبعوثه السابق إلى المفاوضات خالد الأحمد إلى وصفه بأنه “كان كالفيل الميت الذي يتجاهله الجميع”. 

وفي الفترة ذاتها، تراجعت تل آبيب عن فكرة “تدبير انقلاب داخل القصر الجمهوري” -بحسب ما قاله مسؤول أمني إسرائيلي سابق للمجلة- لأنها تأكدت أن “الأسد كان ضعيفاً ولا يشكل تهديدًا لمصالحها”. 

وفي عام 2020، وصل مسؤولان أمريكيان (‘روجر كارستنز’، و’كاش باتيل’) إلى دمشق للتفاوض حول الصحفي المختطف ‘أوستن تايس’. إلا أن علي مملوك، مستشار الأسد الأمني، اشترط على واشنطن “رفع العقوبات، وسحب قواتها من سوريا .. قبل أي نقاش”. 

وعندما أبدت إدارة ترمب (في فترته الأولى) بعض المرونة، كان رد الأسد الحاسم: “لا اتفاق”، بعدما “بلغه أن ترمب وصفه 

 بالحيوان”، بحسب ما نقلت ‘ذي أتلانتك’ عن مملوك نفسه. 

وفي 2023، كررت إدارة ‘بايدن’ المحاولة، لكن الأسد أرسل سفيرًا سابقًا إلى واشنطن “أُمر بعدم التحدث عن تايس”.

وفي الختام تنقل المجلة الأمريكية عن مسؤول سابق في حزب الله أن بشار “كان يعيش في عالم من الأوهام… يظن نفسه الملك فيه”. 

عاش “الملك” .. ضاع “الملك”

زر الذهاب إلى الأعلى