زيارة الخريجي إلى أسمرة… قراءة في حسابات البحر الأحمر وإعادة تموضع القرن الإفريقي

في توقيت إقليمي بالغ الحساسية، حلَّ نائب وزير خارجية المملكة العربية السعودية، المهندس وليد بن عبد الكريم الخريجي، في العاصمة الإريترية أسمرة، حيث التقى الرئيس أسياس أفورقي، في زيارة تتجاوز إطار المجاملات الدبلوماسية إلى ما هو أبعد: إعادة ضبط إيقاع الشراكة في فضاء البحر الأحمر والقرن الإفريقي.
البيان الرسمي ركّز على تعزيز العلاقات الثنائية وبناء رؤية مشتركة تجاه القضايا الإقليمية والدولية، إلا أن القراءة السياسية للزيارة تكشف عن أبعاد أعمق ترتبط بإعادة ترتيب المشهد الإقليمي في ظل تحولات متسارعة.
البحر الأحمر… من ممر ملاحي إلى ساحة تنافس استراتيجي
لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر تجاري يربط الشرق بالغرب، بل تحوّل إلى ساحة تنافس جيوسياسي مفتوحة، في ظل تصاعد التوترات الأمنية، وتهديدات الملاحة، وتنامي الوجود الدولي في المنطقة.
تبدو الزيارة جزءًا من تحرك سعودي أوسع لتعزيز التنسيق مع الدول المشاطئة، وفي مقدمتها إريتريا التي تمتلك موقعًا جغرافيًا بالغ الحساسية على الضفة الإفريقية للبحر الأحمر. فاستقرار إريتريا يمثل عنصرًا مهمًا في معادلة أمن الملاحة وسلامة خطوط التجارة العالمية.
إريتريا… لاعب صامت في معادلات القرن الإفريقي
رغم أن إريتريا لا تحظى بزخم إعلامي كبير، فإنها تظل دولة ذات وزن استراتيجي في القرن الإفريقي، بحكم موقعها الجغرافي وتأثيرها في توازنات الإقليم، خاصة في ظل تعقيدات المشهد الإثيوبي، والتحولات في السودان، والتنافس الدولي على الموانئ والنفوذ البحري.
اللقاء بين الخريجي وأفورقي يعكس إدراكًا متبادلًا لأهمية تنسيق المواقف في هذه المرحلة، لا سيما أن القرن الإفريقي بات مرتبطًا مباشرة بأمن الخليج العربي، سواء من زاوية الملاحة أو من زاوية الاستقرار السياسي والأمني.
أهداف الزيارة: بين التنسيق السياسي وتعميق الشراكة
يمكن قراءة أهداف الزيارة في ثلاثة مسارات متوازية:
1. تنسيق المواقف في الملفات الإقليمية
في ظل أزمات ممتدة في السودان، وتوترات البحر الأحمر، وتغيرات في التحالفات الدولية، يصبح التشاور بين الرياض وأسمرة ضرورة استراتيجية، وليس خيارًا دبلوماسيًا فقط.
2. تحصين أمن البحر الأحمر
تعزيز دور دول البحر الأحمر في ضمان الاستقرار يعكس توجهًا نحو إعلاء المقاربة الإقليمية الجماعية، بدل ترك الساحة لتجاذبات القوى الدولية.
3. توسيع آفاق التعاون الاقتصادي
الاستقرار السياسي غالبًا ما يمهد لتعاون اقتصادي أوسع، خاصة في قطاعات الموانئ، والطاقة، والبنية التحتية، وهي مجالات تتقاطع فيها المصالح السعودية مع احتياجات التنمية في إريتريا.
سياق أوسع: دبلوماسية سعودية نشطة
تأتي الزيارة ضمن تحرك سعودي متصاعد تجاه إفريقيا، يعكس تحولًا في مقاربة السياسة الخارجية للمملكة، التي باتت تنظر إلى محيطها الإفريقي باعتباره امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي ومصالحها الاقتصادية.
وفي المقابل، تمنح الشراكة مع الرياض إريتريا مساحة أوسع للتحرك ضمن توازنات إقليمية معقدة، بعيدًا عن الاصطفافات الحادة.
زيارة نائب وزير الخارجية السعودي إلى أسمرة ليست مجرد محطة بروتوكولية، بل مؤشر على إعادة ترتيب أولويات إقليمية، في لحظة تتداخل فيها حسابات الأمن والاقتصاد والجغرافيا السياسية.
ففي عالم تتسارع فيه التحولات، تبدو الشراكات المرنة والتنسيق المبكر عاملًا حاسمًا في حماية المصالح وبناء الاستقرار، وهو ما تسعى إليه الرياض وأسمرة في هذه المرحلة الدقيقة.
