إبداعات عربيةعاجلملفات

أبوا النبي بين الجنة والنار .. جدل قديم يتجدد 

بقلم: سامح عسكر 

في كل مرة يُثار فيها الجدل حول مصير أبوي النبي ﷺ، أشعر أننا لا نناقش مسألة عقدية مجردة بقدر ما نفتّش في طبقات التاريخ السياسي للإسلام. القضية لم تكن يومًا سؤالًا بسيطًا عن نصٍّ حديثي أو تفسير آية، بل كانت – في تقديري – انعكاسًا لصراع مبكر على الشرعية والرمزية والانتساب إلى بيت النبوة.

بعد انتصار الأمويين في الصراع السياسي الذي أعقب استشهاد الإمام علي رضي الله عنه، تغيّر ميزان القوة داخل الدولة الإسلامية. لم يعد آل البيت في موقع القرار، بل صاروا في موضع استهداف ومطاردة في مراحل متعددة، وهو ما وثّقه مؤرخون، من بينهم أبو الفرج الأصفهاني في كتابه ” مقاتل الطالبيين”، حيث جمع أسماء من قُتلوا أو نُكّل بهم من نسل علي وفاطمة رضي الله عنهما.

في هذا المناخ المشحون، لم يكن الصراع سياسيًا فقط، بل رمزيًا أيضًا. فحين تنتقل القيادة من بيت النبوة إلى بيت آخر، يصبح من الطبيعي – وفق منطق السلطة – إعادة صياغة الرواية العامة: من هو الأقرب؟ من هو الأجدر؟ من هو صاحب الشرعية الدينية؟ وهنا، في تقديري، بدأ مساران متوازيان:

الأول، التقليل من رمزية آل البيت والطعن في بعض دوائرهم القريبة، حتى في مسألة إيمان أقرب الناس إلى النبي.

والثاني، تعظيم البيت الأموي وإضفاء ألقاب ومكانة استثنائية على رموزه.

لا أقول إن كل رواية وُضعت بدافع سياسي، لكنني أرفض كذلك أن نتعامل مع التراث وكأنه وُلد في فراغ معزول عن السلطة والصراع.

القول بأن أبوي النبي في النار استند إلى مرويات وردت في كتب الحديث، منها ما جاء في صحيح مسلم. غير أن التعامل مع النصوص لا يكون دائمًا حرفيًا، بل يخضع لمنهج الفهم والتأويل. وهنا انقسم العلماء داخل أهل السنة أنفسهم.

فريق تمسّك بظاهر الروايات، وفريق آخر رأى أن المسألة تُفهم في ضوء مفهوم “أهل الفترة”، مستندًا إلى قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾. ومن أبرز من انتصر لهذا الاتجاه الإمام جلال الدين السيوطي، الذي ألّف رسائل خاصة مثل مسالك الحنفاء في والدي المصطفى، مؤكدًا أن الحكم بنجاتهما هو الأليق بمقام النبي ﷺ. كما ناقش المسألة الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب، في سياق حديثه عن طهارة نسب النبي ﷺ.

هذا الانقسام يثبت أن المسألة ليست إجماعًا سنّيًا كما يُروّج أحيانًا، بل خلاف معتبر داخل المدرسة الواحدة. بل إن كثيرًا من علماء الأشاعرة والماتريدية في العصور المتأخرة مالوا إلى القول بالنجاة، باعتبار أن أبوي النبي ماتا قبل البعثة ولم تبلغهما الدعوة.

السؤال الذي أطرحه هنا ليس: من المصيب ومن المخطئ؟ بل: هل يمكن فصل التراث عن سياقه السياسي؟ وهل يجوز أن نُسقط قداسة مطلقة على كل ما وصلنا دون تمحيص في ظروف إنتاجه؟

أرى أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأمرين:

أولًا، أن الخلاف قديم وموجود داخل أهل السنة أنفسهم.

وثانيًا، أن السلطة عبر التاريخ لعبت دورًا في تشكيل الوعي الجمعي، سواء في تدوين الروايات أو في إبراز بعضها على حساب البعض الآخر.

في النهاية، فإن مقام النبي ﷺ وأهل بيته أسمى من أن يكون مادة للمزايدات الطائفية أو المناكفات المذهبية. المسألة ليست انتصارًا لفريق على آخر، بل دفاع عن قراءة نقدية للتاريخ، تحترم النص، لكنها لا تغفل السياق.

ويبقى الحكم النهائي لله، أما نحن، فمسؤوليتنا أن نقرأ بوعي… لا بذاكرة سياسية موروثة.

زر الذهاب إلى الأعلى