الصواريخ تعطل التسوية

معتز منصورــ باحث ومحلل سياسى
تجري المفاوضات الإيرانية–الأميركية في ظاهرها كمسار تقني حول الملف النووي، لكنها في جوهرها ساحة اشتباك سياسي واستراتيجي تتقاطع فيها إرادات ثلاث: واشنطن التي تريد ضبط الخطر لا تفجيره، وطهران التي تسعى إلى تثبيت معادلة ردع من دون تقديم تنازلات سيادية، وتل أبيب التي ترى في أي تسوية غير كاسرة لقدرات إيران فشلاً مؤجلاً. حضور إسرائيل في قلب هذا المسار ليس بوصفها طرفاً موقعاً، بل باعتبارها الطرف الذي يدفع باستمرار نحو رفع السقف وتحويل التفاوض إلى أداة استنزاف تمهيداً لمواجهة أوسع.
الرهان الإسرائيلي يقوم على فرضية أن إيران خرجت من العامين الأخيرين مثقلة بالخسائر، بعد ضرب أطراف محورها وتآكل بعض ساحات نفوذها، ما يسمح بالانتقال من سياسة الاحتواء إلى منطق الحسم. غير أن هذه الفرضية تتجاهل أن عناصر الردع الإيرانية الجوهرية ما زالت قائمة: الصواريخ الباليستية، والعمق الجغرافي، والقدرة على تهديد خطوط الطاقة والتجارة؛ وهي عناصر تجعل كلفة الحرب الشاملة أعلى من مكاسبها المحتملة، خصوصاً بالنسبة للولايات المتحدة.
في هذا السياق، يظهر التباين الأميركي–الإسرائيلي بوضوح. تتعامل واشنطن مع التخصيب بوصفه ملفاً قابلاً للضبط عبر آليات رقابة واتفاقات مرحلية، بينما تعتبر تل أبيب أن الخطر الحقيقي يكمن في المنظومة الصاروخية التي تحوّل القدرة النووية المحتملة إلى تهديد فعلي. من هنا تتحول الصواريخ إلى العقدة الصلبة في أي تفاوض، باعتبارها مسألة أمن قومي إيراني لا تقبل المساومة، وخطاً أحمر إسرائيلياً لا يقبل التجاهل.
الموقف التركي والمصري والسعودي يندرج ضمن هذا الاشتباك، لا دفاعاً عن إيران، بل رفضاً لإعادة هندسة الإقليم على قاعدة تفوق إسرائيلي مطلق برعاية أميركية. ترى هذه الدول أن الحرب ستفجر المنطقة وتعيد خلط توازناتها بما يهدد استقرارها ومصالحها؛ لذلك تدفع نحو حلول إقليمية، خصوصاً في ملف التخصيب، مع إدراكها أن ملف الصواريخ سيبقى خارج أي تسوية ممكنة.
خلاصة الأمر أن المفاوضات مرشحة للاستمرار بوصفها أداة لإدارة الصراع لا مساراً لحله. لن تتوقف عند التخصيب، لكنها ستتعثر عند الصواريخ، ولن تقود إلى ضربة قاضية ولا إلى سلام مستقر، بل إلى هدنة سياسية هشة عنوانها شراء الوقت بانتظار تغير موازين القوة أو وقوع حدث كاسر يعيد تعريف قواعد اللعبة.
