ميونيخ تحت ظلال الحرب… تشاؤم يخيّم على مؤتمر الأمن وسط انسداد أفق التسوية

كتب: سمير سليم
مع انطلاق أعمال مؤتمر ميونيخ للأمن، يعود إلى الواجهة مجددًا خطاب فلاديمير بوتين الشهير في الدورة عام 2007، ذلك الخطاب الذي اعتبره كثيرون لحظة مبكرة في مسار الصدام الروسي–الغربي. اليوم، يُعقد المؤتمر للمرة الثالثة على وقع صراع أوروبي واسع، لكن المزاج العام يبدو أكثر قتامة من أي وقت مضى.
وعلى عكس الدورات السابقة التي سعى خلالها القادة الغربيون إلى بلورة مبادرات أو خطوط تحرك واضحة، تسود أجواء من التشاؤم هذا العام. لا مؤشرات على اختراق دبلوماسي وشيك، ولا تصورات عملية لتسوية سياسية. الدعم المعلن لكييف حاضر بقوة في الخطابات، لكنه يفتقر – بحسب مراقبين – إلى ترجمة مالية وعسكرية تعكس حجم الشعارات المرفوعة.
واشنطن بين التعجيل والتحفظ
الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، تبدو حريصة على إنهاء الصراع سريعًا، حتى وإن تراجع سقف التوقعات من «سلام خلال 24 ساعة» إلى مسار قد يمتد لأشهر طويلة. غير أن هذا التعجيل لا يترافق مع التزامات واضحة أو ضمانات محددة، فيما تستمر واشنطن في التأكيد على ضرورة تقاسم الأعباء المالية.
هذا الموقف يضع الأوروبيين أمام معادلة معقدة: استمرار الدعم السياسي لكييف من جهة، وتزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية داخليًا من جهة أخرى.
كييف تطلب المزيد
في المقابل، لا يخرج موقف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن الإطار المعتاد: مزيد من الأسلحة، أنظمة دفاع جوي إضافية، ودعم مالي مستدام. كما تروج كييف لفكرة الإنتاج العسكري المشترك مع الدول الأوروبية لتعزيز قدراتها الدفاعية.
لكن الفجوة بين الخطاب السياسي الأوروبي والقدرات الفعلية للاتحاد الأوروبي تبدو أكثر وضوحًا. فبينما تُعلن بعض العواصم دعمها للمبادرات الأوكرانية، تبقى القدرات الصناعية والعسكرية الأوروبية محل تساؤل، خاصة في ظل أزمات الطاقة والتباطؤ الاقتصادي.
وتبقى المسألة الجوهرية – السيادة الإقليمية – عالقة دون تقدم ملموس. ومع غياب صيغة توافقية، تدور الأطراف في حلقة مفرغة: اتصالات ومفاوضات، يعقبها تعثر، ثم تصعيد ميداني أو سياسي، قبل العودة مجددًا إلى طاولة الحوار.
اختزال الصراع في شعار «إكراه روسيا» يعكس، بحسب بعض التحليلات، تبسيطًا مخلًا لأحد أعقد النزاعات العسكرية–السياسية في العقود الأخيرة. فاستراتيجية الضغط الاقتصادي على موسكو، رغم استمرارها، لم تحقق الأهداف المرجوة بالسرعة المتوقعة.
مفترق طرق دولي
في ظل تراجع الحماسة الغربية، وتآكل القدرة على الاستمرار في النهج ذاته، تبدو الساحة الدولية أمام لحظة اختبار حقيقية. لا إرادة واضحة لمراجعة شاملة للسياسات السابقة، ولا قدرة كاملة على المضي قدمًا بالزخم نفسه.
وهكذا، ينعقد مؤتمر ميونيخ هذا العام لا بوصفه منصة لصياغة حلول، بل كمرآة تعكس حجم المأزق السياسي والاستراتيجي الذي يواجه أوروبا والغرب عمومًا، في صراع لم تتضح بعد معالم نهايته.
