أخبارعاجلنحن والغرب

“فساد” العالم الديمقراطي و”نزاهة” العالم العربي

كتب: هانى الكنيسى 

لم يعد الفساد في العالم ظاهرة محصورة في الدول الفقيرة أو “المتخلفة”، بل بات ينخر في بنيان “الأنظمة الديمقراطية العريقة”، هذا ما تفصح عنه نتائج “مؤشر مدركات الفساد” (CPI) لعام 2025.

التقرير الصادر الثلاثاء الماضي، عن منظمة ‘الشفافية الدولية’ Transparency International (مقرها برلين)، يرسم خريطة عالمية يتقلّص فيها عدد الدول “النظيفة جداً” من 12 إلى 5 فقط، وتتعدد فيها شواهد تآكل سيادة القانون وتفاقم تأثير المال السياسي وتواطؤ المصالح العابرة للحدود.

يتصدر النموذج الإسكندنافي – الدنمارك، فنلندا، النرويج، والسويد – قائمة الدول الأقل فساداً، مؤكداً أن “استقلال القضاء وحرية الصحافة” يظلان خط الدفاع الأول ضد الفساد. 

لكن اللافت أن بقاء خمس دول فقط فوق حاجز 80 نقطة (الذي يمثّل قمة الشفافية)، يعكس تراجعا واضحا في معدلات النزاهة لدى الدول الغربية “المتحضرة”، المتشّحة برداء المبادئ “الديمقراطية” والمتشدقة بدعايات “سيادة القانون”، 

مثلما تتجلّى ملامح العلاقة “غير المباشرة” بين الفساد الداخلي في مجتمعاتها ونُخبها ودوائر اتخاذ القرار من جهة، وشبكات المصالح الدولية “المشبوهة” التي تحركها أجندات مكاسب مالية وأهداف سياسية ودوافع استخباراتية، وهو ما يتسق “عمليا” مع ما فضحته الوثائق المنشورة من “ملفات إبستين”، وما رصدته منظمة الشفافية في تقريرها الأخير.

عربياً، تنقسم الخريطة إلى ثلاثة معسكرات:

أولا- معسكر التميز النسبي: يشمل 6 دول عربية فقط تجاوزت حاجز الـ50 نقطة، وهو الخط الفاصل بين الفساد الهيكلي ووجود حد أدنى من الفاعلية المؤسسية، وهي: 

الإمارات وقطر (بفضل التحول الرقمي وشفافية الخدمات الحكومية)

السعودية (نتيجة إصلاحات “رؤية 2030”، وتشديد الرقابة المالية)

عُمان، البحرين، الأردن (استقرار نسبي في آليات مكافحة الفساد). 

لكن ما يجمع بين تلك الدول الست: مركزية القرار، ووضوح السياسات الاقتصادية، إضافة إلى الاستثمار في التكنولوجيا الحكومية وتحفيز القطاع الخاص. 

ثانيا- معسكر البيروقراطية المترهلة: يضم 6 دول عربية أخرى (مصر، تونس، المغرب، الجزائر، والكويت، موريتانيا)، والتي بقيت في “منطقة الخطر”، حسب تصنيف مؤشر الشفافية (تحت 50 نقطة). 

ورغم تباين الأسباب؛ بين البيروقراطية المرضيّة، وضعف استقلال القضاء، وتداخل السلطات .. إلا أنها تتفق جميعا في ظاهرة “صعوبة الوصول للمعلومات وتلاشي مبدأ المساءلة”. 

ثالثا- معسكر الدول الهشة: سوريا، اليمن، ليبيا، السودان، والصومال .. حيث يصبح الفساد جزءاً من “آليات البقاء”، وتتحول مؤسسات الدولة إلى شبكات نفوذ متصارعة تحكمها النزاعات المسلحة والخلافات الطائفية والاقتتال الداخلي. 

وفيما يلي موجز لدراسة ثلاث حالات عربية، من واقع تفاصيل أحدث تقارير “مؤشر مدركات الفساد”:

مصر: ثبات النزاهة واتساق الفساد 

سجلت مصر 30 نقطة من 100، محتلة المرتبة 130 من أصل 182 دولة، دون أي تغيير عن العام السابق.

هذا “الثبات” يعكس، بحسب التقرير، ركوداً في جهود مكافحة الفساد أكثر مما يعكس استقراراً إيجابياً. إذ جاءت أم الدنيا دون متوسط الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (39 نقطة)، وتقاسمت الترتيب نفسه مع الجزائر ولبنان.

وتتسق نتائج هذا التقييم مع مؤشر “سيادة القانون” الصادر عن World Justice Project، حيث حصلت مصر على 0.35 من 1 واحتلت المرتبة 135 عالمياً، ما يشير إلى فجوة مستمرة بين النصوص القانونية والتطبيق العملي.

لبنان: فساد ممنهج

يمثل لبنان نموذجاً صارخاً لـ “الفساد المؤسساتي الشامل”. وتبرز في حيثيات تقرير منظمة الشفافية، دلائل عجز القضاء في محاسبة المسؤولين عن ملفات كبرى – من انفجار مرفأ بيروت إلى الانهيار المالي. 

ويستفيض التقرير في شرح كيف أن انهيار القطاع المصرفي وتعدد أسعار الصرف وغياب الشفافية، خلق بيئة مثالية للسوق السوداء والتربح غير المشروع في لبنان. يضاف إلى ذلك الفراغ السياسي الذي عطّل الهيئات الرقابية، وهو ما أدى إلى تفكك مؤسسات الدولة، وتحولها إلى “جزر نفوذ معزولة” يسهل اختراقها. 

*جدير بالملاحظة، أن التقرير “النزيه” لا يشير من قريب أو بعيد إلى “البٌعد الخارجي” متمثلا في الغزو الإسرائيلي المتكرر والغارات اليومية، أو إلى التغلغل الإيراني في مفاصل شبه الدولة اللبنانية. 

 تونس: قصة “حزينة”

بعد ثورة 2011 والإطاحة بنظام بن علي البوليسي القمعي، اعتُبرت تونس قصة نجاح نسبية ونموذجاً عربياً واعداً بمعايير الشفافية. لكن تقرير 2025 يرصد تراجعاً واضحاً ، ويعدد مظاهر “تآكل الهيئات الرقابية” بفعل ما يصفه مراقبون بـ“قبضة السلطة”. 

وفي التفاصيل، يذكر التقرير أن إغلاق الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (INLUCC) وتجميد عملها، أفقد المبلغين عن الفساد مظلة الحماية، بينما أثارت التغييرات الأخيرة في المجلس الأعلى للقضاء شكوكا في استقلالية المحاكم (حسبما تُظهر تقارير الاتحاد الأوروبي ومنظمات حقوقية). هذا فضلا عن انحسار دور المجتمع المدني في تونس وتقييد الصحافة الاستقصائية في مراقبة الإنفاق العام وأداء السلطة التنفيذية.

زر الذهاب إلى الأعلى