معركة الصهيونية داخل المسيحية الأميركية

بقلم: أرنست وليم
في الولايات المتحدة، لا يوجد نص دستوري يقول إن الدين يجب أن يبتعد عن السياسة، لكن لا يوجد أيضًا ما يمنح أي تفسير ديني حق التحول إلى معيار رسمي تُقاس به الوطنية وتُختبر به الضمائر. المساحة بين الأمرين، أو الخلط بينهما، تقلّصت يومًا بعد يوم منذ ستينيات القرن الماضي، وكان لا بد أن يُنتج ذلك الصراع الذي نشهده الآن: صراع مفاهيم دينية متعددة حول القضية الواحدة، خرج من الكنائس والضمائر إلى ساحات السياسة والتشريع واختبار الولاء للدولة.
عندما قالت كاري بريجان بولر، وهي ناشطة أميركية في قضايا الحرية الدينية وعضوة في مجالس استشارية مرتبطة بملف الاضطهاد الديني وحقوق الأقليات الدينية في السياسة الخارجية الأميركية، إن انتقاد الصهيونية لا يساوي كراهية اليهود، بدت عبارتها لكثيرين عادية، أقرب إلى بديهيات النقاش السياسي. لكن بالنسبة لآخرين كانت خطًا أحمر.
موقفها من الحركة الصهيونية — بوصفها حركة قومية حديثة، وليست نصًا كتابيًا ولا جزءًا لازمًا من صحيح العقيدة المسيحية — يعني أن انتقادها كأيديولوجيا، أو نقد تجلياتها في إسرائيل كدولة غير معصومة، لا يُعد خروجًا عن الدين، ولا عن “الإجماع الوطني” بتعبيراتنا الشرقية اللذيذة، ولا خيانة أو كفرًا، ولا حتى كراهية لليهود. وهي هنا تعبّر عن رأي كاثوليكي تقليدي؛ إذ تعرّف نفسها بأنها كاثوليكية، وقد استندت في مداخلاتها إلى عقيدتها، كما احتمى آخرون بعقيدتهم المسيحية التدبيرية/الصهيومسيحية. ومن هنا احتدم السؤال: هل يجعل الاختلاف اللاهوتي أو السياسي مع الصهيونية الكاثوليكي معاديًا للسامية؟
سياسيون مثل تد كروز عبّروا عن الموقف المقابل بوضوح؛ ففي نظرهم، العداء للصهيونية شكل من أشكال العداء لليهود. تبدو المعادلة حاسمة ومريحة، في محاولة لتصوير القضية وكأنها ليست خلافًا عقائديًا أو سياسيًا، بل جريمة ضد اليهود. اليوم يُروَّج أحيانًا إلى أن الاعتراض على سياسات إسرائيل أو على الصهيونية هو “معاداة للسامية”، شكل خفي وأكثر خبثًا من كراهية اليهود. هذه الفكرة، على بساطتها، وصحتها في بعض الحالات تجاه من يكرهون اليهود فعلًا، تُسقط تعقيدات التاريخ والسياسة والهوية في سلة واحدة، وتغلق الباب أمام أي نقاش جاد.
الصهيونية حركة سياسية قومية حديثة نشأت في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر، ودعت إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. هي، بهذا المعنى، أيديولوجيا سياسية لها مدارس وتيارات وممارسات، وليست مرادفًا لليهودية كدين أو لليهود كبشر. هناك يهود صهاينة، نعم، لكن هناك أيضًا يهود غير صهاينة، ويهود يعارضونها بشدة، ويعتبرونها مشروعًا علمانيًا لا يمثل معتقدهم الديني.
من هنا يأتي جوهر الحجة الأخرى: رفض أيديولوجيا سياسية — أيًّا كانت — لا يعني تلقائيًا كراهية أتباع دين ما. كما أن نقد الرأسمالية لا يعني كراهية المسيحيين أو الأوروبيين أو الأميركيين، ونقد القومية العربية لا يعني كراهية العرب. الخلط المتعمد بين الفكرة وصاحبها يحوّل السياسة إلى حقل ألغام أخلاقي، ويجعل الحوار مستحيلًا.
ومن هنا جاء الاعتراض على ابتداع مصطلح «الإسلاموفوبيا» والترويج له؛ إذ يرى منتقدوه أن بعض تعريفاته، أو الانزلاقات التي قد تترتب عليها، تؤدي إلى خلط واضح بين الحق في نقد الإسلام كدين وعقيدة، أو نقد تجلياته السياسية في منظمات وأحزاب وحركات، وبين المسلمين كأشخاص. فالمصطلح نفسه، في نظرهم، قد يتحول إلى أداة لردع أي نقاش فكري أو سياسي، بدل أن يكون حماية من التمييز والكراهية الفعلية.
اليوم في الولايات المتحدة، تحوّل تعبير «معاداة السامية» في بعض الخطابات إلى أداة لحماية دولة أو أيديولوجيا، بدل أن يبقى توصيفًا لكراهية اليهود كأفراد وجماعة دينية وإثنية لهم كامل الحقوق في إسرائيل أو في أميركا أو في أي مكان آخر.
إن الخلل الدستوري الواضح، والعلمانية الأميركية المنقوصة — التي يصح فيها تعريف عبد الوهاب المسيري بـ«العلمانية الجزئية»، بل لعل الأدق وصفها بـ«العلمانية الناقصة» — وإدخال المقدس في تعريف المواقف العامة، يجعل التراجع مستحيلًا. فلا أحد يفاوض على ما يراه أمرًا إلهيًا، ولا أحد يقبل التسوية في ما يعتقد أنه واجب عقائديًا. وهنا تختفي السياسة لتحل محلها معادلات مطلقة: حق وباطل، نور وظلام. تتنفس الديمقراطية هواءً غير نظيف، وإذا زاد الأمر اختنقت فعلًا.
القضية ليست فقط إسرائيل أو الصهيونية. القضية، في جوهرها، هي حق المواطن العادي — أي إنسان — والمسؤول أيضًا، في أن يفصل بين احترامه للبشر، أيًّا كانت ديانتهم، وبين موقفه من أيديولوجيات ودول وسياسات. من دون هذا الفصل، يتحول كل نقد إلى كراهية، وكل اختلاف إلى جريمة.
السؤال الذي لم يحسمه الآباء المؤسسون عند كتابة الدستور — هل نطبق علمانية كاملة أم لا؟ — يقف اليوم كحائط صد في اتجاه واحد، وقابل للاختراق من الجانب الآخر. ها هو يعود من جديد؛ أجيال أقل حكمة وذكاءً تستغل تقصير الأسلاف سلاحًا في وجه الدولة نفسها، وتعيد الصراعات الدينية مرة أخرى إلى ساحة السياسة.
