بين شروط الإذعان والتصعيد المحتمل: هل تدفع واشنطن طهران إلى المواجهة

كتب: سامح عسكر
تتداول الأوساط السياسية أنباءً عن رفض إيران للشروط الأمريكية الأخيرة، وهي شروط تكشف — إن صحّت — عن طبيعة المرحلة المقبلة وحدود ما يمكن أن تذهب إليه واشنطن في إدارة الملف النووي الإيراني.
الطرح الأمريكي، بحسب التسريبات، يتضمن ثلاثة بنود رئيسية:
1- أن توقف إيران أنشطتها في تخصيب اليورانيوم لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات، ثم تستأنف التخصيب بنسبة 1.5% فقط.
2- أن تُسلّم 400 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%.
3- ألّا ترفع الولايات المتحدة العقوبات، مكتفية بالامتناع عن مهاجمة إيران.
الشروط — بهذا الشكل — تبدو أقرب إلى صيغة إملاء منها إلى تفاوض، بل مهزلة سياسية موضوعة لكي تُرفَض، لا لكي تُناقَش. فكيف يُطلب من دولة تجميد برنامجها النووي لسنوات، والتنازل عن مخزونها عالي التخصيب، من دون أي مقابل حقيقي سوى وعد بعدم الهجوم؟
الأكثر إثارة أن هذه الشروط تكشف تناقضًا صارخًا في الخطاب الأمريكي، وخصوصًا ما نُسب سابقًا إلى إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حين جرى الحديث عن “تدمير” 400 كجم من اليورانيوم المخصب خلال حرب الأيام الاثني عشر الماضية. فإذا كان المخزون قد دُمّر بالفعل، فلماذا يُطلب تسليمه الآن مجانًا؟
وإذا كان البرنامج قد أُعيد “عشرين عامًا إلى الوراء”، كما قيل، فلماذا تُطرح اليوم مسألة إيقافه؟
المفارقة أن الشروط المطروحة توحي بأن الهدف يتجاوز منع السلاح النووي إلى محاولة كبح التقدم العلمي الإيراني ذاته، وهو ما تعتبره طهران مساسًا مباشرًا بسيادتها الوطنية.
في السياق ذاته، يبرز رفض إيراني لأي وساطة أو دور للوكالة الدولية للطاقة الذرية الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بدعوى أنها تحولت إلى أداة اختراق استخباراتي. كما ترفض طهران وساطة تركيا وأي دولة عربية، باستثناء عُمان ومصر، ما يعكس تضييقًا واضحًا في هامش الوساطات المقبولة.
المشهد، إذًا، يتجه نحو التصعيد ما لم يتدخل المجتمع الدولي بصيغة تحفظ ماء وجه الجميع. فالضغوط الأمريكية — بدل أن تُلين الموقف الإيراني — قد تدفعه إلى مزيد من الشراسة والتصميم على تجاوز خطوط لم تُتجاوز بعد. ومن بين أوراق الرد المحتملة: التلويح بإغلاق مضيق هرمز، واحتمال توسيع نطاق الاشتباك ليشمل قواعد أمريكية في المنطقة، أو استهداف مصالح إسرائيلية وأمريكية في محيط الإقليم.
غير أن قراءة أعمق للموقف الأمريكي توحي بأن ما يجري قد لا يكون تمهيدًا لحرب شاملة، بل ضغطًا عسكريًا شكليًا يُستثمر في أوراق التفاوض. فواشنطن المثقلة بالديون، والمنخرطة في منافسة استراتيجية مع الصين، لا تملك رفاهية مغامرة كبرى في الشرق الأوسط. وقد أثبتت تجارب سابقة، منذ اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة، أن التصعيد غالبًا ما يُستخدم لرفع سقف الشروط قبل العودة إلى طاولة التفاوض.
ومع ذلك، تبقى المعادلة شديدة الهشاشة. فإذا استمر الضغط بلا أفق سياسي، فقد تتحول الحسابات التكتيكية إلى مواجهة مفتوحة، خاصة إذا شعر أحد الأطراف بأن الردع قد تآكل.
في ضوء المعطيات الحالية، لا تبدو الحلول سهلة، لكن القول إن المواجهة العسكرية حتمية قد يكون سابقًا لأوانه. ما هو مؤكد أن موازين القوة اليوم ليست كما كانت في السابق، وأن أي انزلاق نحو الحرب لن يكون محدود الكلفة، لا على إيران ولا على الولايات المتحدة، بل على الإقليم بأسره.
