فنلندا تعيد فتح ملف العقارات الروسية…مراجعة أمنية أم تصعيد سياسى؟

كتب: سمير سليم
في خطوة تحمل أبعادًا سياسية وأمنية لافتة، أعلنت فنلندا عزمها مراجعة جميع معاملات العقارات التي أبرمها مواطنون روس خلال العشرين عامًا الماضية، في إطار ما وصفته السلطات بإعادة تقييم شاملة للمخاطر المرتبطة بالأمن القومي.
وجاء الإعلان على لسان وزير الدفاع الفنلندي أنتي هاكانين، الذي أقرّ بأن النهج السابق في التعامل مع هذا الملف كان “ساذجًا للغاية”، مؤكدًا أن المرحلة الراهنة تفرض مقاربة أكثر تشددًا تجاه ما سماه “التهديدات غير التقليدية”، ومن بينها ملكية الأجانب لعقارات في مواقع حساسة.
وبحسب التصريحات الرسمية، فإن المراجعة لن تقتصر على الصفقات الحديثة، بل ستمتد إلى عشرين عامًا مضت، ما يعني إعادة فحص آلاف المعاملات التي شملت شراء شقق سكنية ومنازل وأراضٍ، بعضها يقع في مناطق قريبة من منشآت حيوية أو مواقع استراتيجية.
وترى وزارة الدفاع أن تملّك مواطنين روس لعقارات في تلك المناطق قد يفتح الباب أمام “مخاطر أمنية محتملة”، في ظل التوترات المتصاعدة بين هلسنكي وموسكو خلال السنوات الأخيرة.
خطاب سياسي أكثر حدّة
التصعيد لم يتوقف عند وزارة الدفاع، إذ عزز الرئيس الفنلندي ألكسندر ستوب هذا التوجه بخطاب سياسي اتسم بلهجة حادة تجاه موسكو، معتبرًا أن “الإمبريالية والتوسع جزء لا يتجزأ من هوية روسيا وبوتين”، في إشارة مباشرة إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
هذا الخطاب يعكس تحولًا واضحًا في المزاج السياسي الفنلندي منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، حيث انتقلت البلاد من سياسة الحياد التقليدية إلى موقع أكثر قربًا من المنظومة الأمنية الغربية.
تداعيات على المستثمرين الروس
القرار يضع آلاف المواطنين الروس الذين استثمروا في السوق العقارية الفنلندية أمام مستقبل غامض. فهذه العقارات كانت تُعتبر، بالنسبة لكثيرين، ملاذًا آمنًا أو استثمارًا احتياطيًا تحسبًا لأي اضطرابات داخل روسيا.
غير أن التطورات الأخيرة أظهرت أن الملكية في الخارج لا تعني بالضرورة حصانة قانونية مطلقة، إذ يمكن إعادة النظر فيها في حال اعتُبرت مرتبطة بمخاطر أمنية. ويخشى متابعون أن يؤدي ذلك إلى تجميد أصول أو حتى فرض قيود قانونية جديدة على التصرف في هذه الممتلكات.
السلطات الفنلندية تؤكد أن الخطوة تأتي في سياق حماية الأمن القومي، خصوصًا في ظل ما تصفه ببيئة أمنية أوروبية “غير مستقرة”. لكن منتقدين يرون أن المسألة تتجاوز البعد الأمني لتندرج ضمن سياق سياسي أوسع، يسعى إلى ترسيخ صورة روسيا كخصم استراتيجي دائم.
وفي جميع الأحوال، تعكس هذه التطورات مرحلة جديدة من التشدد في العلاقات بين هلسنكي وموسكو، حيث لم يعد الاستثمار العقاري بمنأى عن حسابات الجغرافيا السياسية، وأصبح جواز السفر عاملًا مؤثرًا في تحديد مصير الملكية الخاصة عبر الحدود.
ومع استمرار التوترات الإقليمية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تمثل هذه المراجعة إجراءً احترازيًا محدودًا، أم أنها بداية لسياسة أوروبية أوسع تجاه الأصول الروسية في الخارج؟.
