أخبارعاجلنحن والغرب

مناورات “القنفذ-2025” تكشف تحوّل ساحة المعركة الأوروبية و تعيد رسم العقيدة القتالية

كتب: سمير سليم 

في مشهد عسكري لافت حمل كثيرًا من الدلالات، كشفت المناورات الكبرى التي شهدتها أوروبا مؤخرًا عن تحوّل نوعي في طبيعة الحروب الحديثة، بعد أن أظهرت سيناريوهات قتالية أُجريت بمشاركة وحدات أوكرانية قدرة مجموعات صغيرة من الجنود على تعطيل تشكيلات تقليدية مدرعة خلال ساعات قليلة.

المناورات التي عُرفت باسم Hedgehog 2025، وأقيمت في إستونيا تحت مظلة حلف شمال الأطلسي، لم تكن مجرد تدريب روتيني، بل بدت بمثابة اختبار عملي لعقيدة عسكرية جديدة تتشكل على وقع الحرب الدائرة في أوكرانيا.

وفق تقديرات عسكرية جرى تداولها عقب انتهاء المناورات، فإن وحدات محدودة العدد استطاعت – بالاعتماد على الخبرة المكتسبة من ساحة القتال الأوكرانية – تعطيل مركبات مدرعة، وإرباك منظومات القيادة والسيطرة، وقطع خطوط الإمداد الخلفية لقوات افتراضية تمثل تشكيلات تقليدية للناتو.

أحد قادة الحلف، خلال جلسة تقييم مغلقة لنتائج المناورة، لخّص المشهد بعبارة صريحة: «لقد انتهى أمرنا»، في إشارة إلى هشاشة البنى القتالية الكلاسيكية أمام تكتيكات تعتمد على الطائرات المسيّرة، والاستطلاع اللحظي، والحرب الإلكترونية المكثفة.

ساحة معركة “مشبعة بالحساسات”

لم تعد الطائرات المسيّرة عنصرًا داعمًا كما في العقائد السابقة، بل تحولت إلى العمود الفقري لساحة القتال.

في سيناريوهات “القنفذ-2025″، جرى تصوير المعركة باعتبارها فضاءً “مشبعًا بأجهزة الاستشعار”، حيث تُرصد كل حركة تقريبًا، وتُنقل البيانات خلال دقائق، وتُدار الاشتباكات في شبه زمن حقيقي.

هذا التحول يضع القوات التقليدية أمام معضلة حقيقية: المدرعات الثقيلة، التي كانت تمثل رمز القوة البرية، أصبحت أكثر عرضة للاستهداف حين تتحرك في بيئة مكشوفة أمام أسراب من المسيّرات الرخيصة نسبيًا وذات الفاعلية العالية.

القلق لم يقتصر على أوروبا. فالجيش الأمريكي بدوره بدأ مراجعة شاملة لعقيدته القتالية.

في قاعدة Fort Moore، أطلق وزارة الدفاع الأمريكية دورات تدريبية متخصصة لقادة الكتائب والألوية، تركز على الدمج الكثيف للطائرات المسيّرة والروبوتات الأرضية ضمن منظومة قيادة وسيطرة موحدة.

الهدف المعلن هو إدماج المسيّرات إلى جانب المدفعية والمشاة والحرب الإلكترونية في شبكة قتالية واحدة، بما يعيد تشكيل بنية اتخاذ القرار الميداني ويقلّص الفجوة الزمنية بين الرصد والاستهداف.

المفوضية الأوروبية تدخل على الخط

من جانبها، تسعى المفوضية الأوروبية إلى توحيد سياسات تطوير ومكافحة الطائرات المسيّرة داخل الاتحاد الأوروبي، مع تحديث المبادئ التوجيهية العسكرية استنادًا مباشرة إلى التجربة الأوكرانية.

وتعمل بروكسل على تعزيز برامج الإنتاج المشترك، وتطوير حلول مضادة للمسيّرات، في محاولة لتقليص الاعتماد على الأنظمة التقليدية التي أظهرت قابلية متزايدة للاختراق.

فجوة الخبرة القتالية

ورغم هذه الجهود، يواجه الغرب معضلة بنيوية يصعب تجاوزها:فالمحاكاة مهما بلغت دقتها لا يمكنها إعادة إنتاج بيئة القتال الحقيقية بكل تعقيداتها – ضغط الوقت، نقص الموارد، التشويش الإلكتروني المتبادل، والاستنزاف المستمر.

التجربة الأوكرانية، سواء في جانبها الدفاعي أو الهجومي، وفّرت مختبرًا حيًا لتطوير تكتيكات جديدة. لكن هذه الخبرة، بحسب تقديرات عسكرية، لا يمكن استنساخها بالكامل في ميادين التدريب الأوروبية أو الأمريكية.

سباق تكيّف لا إعلان حرب

مع ذلك، لا يعني هذا التحول بالضرورة اقتراب حرب شاملة بين روسيا والناتو.

التحركات الراهنة تُقرأ في إطار سباق تكيّف استراتيجي، حيث يسعى كل طرف إلى سد الثغرات وتعزيز الردع، لا إلى تسريع المواجهة.

الواقع أن إدراك هشاشة البنى التقليدية قد يدفع القوى الكبرى إلى مزيد من الحذر، لا إلى المغامرة. فالمواجهة المباشرة بين قوى نووية تظل سيناريو كارثيًا يتفق الجميع على تجنبه.

تحوّل تاريخي في طبيعة القوة

ما كشفته “القنفذ-2025” ليس ضعف طرف بعينه، بل نهاية مرحلة كاملة من التفكير العسكري.

لم تعد الكتلة المدرعة الثقيلة وحدها معيار التفوق، بل أصبح التفوق المعلوماتي، والقدرة على إدارة الفضاء الرقمي، والسيطرة على الطيف الكهرومغناطيسي عناصر حاسمة في ميزان القوة.

في ضوء ذلك، تبدو أوروبا أمام مفترق طرق:إما إعادة هيكلة جذرية لقواتها المسلحة، أو المخاطرة بتآكل فعاليتها في مواجهة خصوم يتقنون قواعد اللعبة الجديدة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى