الحقّ التاريخي… من يختار نقطة البداية؟

بقلم: أرنست وليم
تُعدّ فكرة «الحقّ التاريخي في الأرض» واحدة من أكثر المغالطات المنطقية التي يستخدمها البعض لتبرير أحقية مجموعة بشرية على حساب غيرها.
ويردّد المبشّرون الصهيو–مسيحيون أن لإسرائيل حقًا تاريخيًا — مدعومًا بالنصوص المقدسة والتاريخ العام — في الأرض، بحكم ما هو ثابت تاريخيًا عن وجود ممالك يهودية قديمة: المملكة الموحدة، ثم مملكة إسرائيل ومملكة يهوذا.
وهذا صحيح تاريخيًا — بل تعالوا نكمل القصة في عجالة — لأن التاريخ فعلًا لا يخلو من إفادة.
فبعد المملكة الموحدة — التي كانت صغيرة الشأن بلا قيمة تُذكر أثريًا، عظيمة الشأن وبجيش يتجاوز المليون ونصف المليون عسكري — لا يوجد في التاريخ القديم ولا الحديث دولة أو إمبراطورية كان لها أكثر من مليون ونصف مقاتل حامل للسلاح: 1,570,000 (1 أخ 21: 5)، بقفزة 27,000 جندي زيادة عن التعداد في (صموئيل الثاني 24: 9) الذي اكتفى بمليون وثلاثمائة ألف فقط لا غير، في حين أن الإمبراطورية الرومانية في أوج عظمتها زمن أغسطس قيصر كان عدد جنودها الأساسيين نحو 150 ألفًا، وبالجنود المساعدين ما بين 250 ألفًا إلى 300 ألف في إجمالهم… فلا تخرج قبل أن تقول: سبحان الله!
ولكن بعد المملكة الموحدة المؤسطرة جاءت ممالك لها شأنها، خاصة مملكة الشمال وعاصمتها السامرة، التي قبضت على محور تجاري واستراتيجي هام هو وادي يزرعيل، وأهم مواقعه مجدو، حيث دارت المعارك الكبرى التي جعلت من مجدو جزءًا من اسم الحرب النهائية «هرمجدون» (رؤيا 16: 16). ثم سقطت سنة 722 ق.م على يد الآشوريين، لتزدهر بدورها مملكة الجنوب التي كانت صغيرة محتقرة بالمقارنة، نتيجة هجرة من الشمال من رجال وصنّاع وتجار ومفكرين… ثم سقطت بدورها في يد البابليين، فكانت فترات الشتات الأول على يد الآشوريين ثم البابليين.
ثم جاء الفرس، فأطلق «كورش العظيم»، الذي دُعي «مسيح الرب» في إشعياء 45: 1، سراح من أراد العودة، فعاد بعضهم إلى الأرض.
لاحقًا رحّب اليهود بالإسكندر الأكبر باعتباره محرّرًا، بعد أن تقلبت سياسات الفرس تجاههم وحدثت مضايقات سياسية ودينية. لكن الأمور تغيّرت مرة أخرى مع الحكم اليوناني، خاصة في زمن أنطيوخوس الرابع إبيفانيس السلوقي، الذي أراد نشر الثقافة اليونانية على الجميع، واعتبر الدين جزءًا أساسيًا من هذه الثقافة، ورأى أن اليهودية تمثل حجر عثرة أمام «تمدين» البلاد.
وتذكر الروايات أنه حاول إبطال عادة الختان بفرض عقوبات شديدة تصل إلى القتل، وتقديم ذبائح اعتُبرت نجسة في هيكل يهوه، بل وإجبار اليهود على الذبح لآلهة اليونان. ومن هنا اندلعت ثورة يهوذا المكابي وأبنائه.
جاءت بعدها فترة تحرر وتأسيس لمملكة يهودية توسعت على حساب شعوب ومناطق أدومية وفينيقية في الشمال والجنوب. وكما ذكرت أسفار المكابيين المقدسة عند الكاثوليك والأرثوذكس، وكتابات يوسيفوس المؤرخ اليهودي المعروف، فإن هذه المرحلة شهدت ما يمكن وصفه بالتهوّد القسري: فإما الختان واتباع شريعة يهوه، أو القتل. ذلك لأن نص التوراة نفسه يمنع ممارسة أي ديانة غير يهودية في إسرائيل، ويُلزم مولود الأرض والغريب بحفظ الشريعة والفصح، وإلا تُقطع تلك النفس.
(وبهذا المنطق التوراتي/المسيحي لم يعد ممكنًا، في دولة مسيحية تعتبر نفسها الوريث الشرعي للتوراة، أن تُبقي على شخص غير مسيحي في أراضيها. وهذا يفسر لماذا لم يكن ممكنًا في كل المناطق التي اعتبرت نفسها مسيحية وجود ديانة أخرى، بل ولا حتى طائفة أخرى — الكل على عقيدة واحدة هي تلك التي للكنيسة).
بعد ذلك اندلعت «الفتنة الكبرى» المكابية بين أبناء الأسرة الحشمونية حول من يكون الملك ومن يكون رئيس الكهنة، ومن الأحق بالمنصبين. هذا الصراع مهّد الطريق لتدخل الرومان. دخل الجنرال بومبي القدس سنة 63 قبل الميلاد، وانتهت فعليًا استقلالية الدولة.
وضع الرومان في البداية ملكًا تابعًا من أصول أدومية، هو هيرودس الكبير، الذي كانت عائلته قد تهوّدت قبل جيلين. ومن عجائب التاريخ أن يصير حفيد ذلك الرجل الذي تهوّد بالسيف ملكَ اليهود، الذي فعل بهم الأفاعيل وأذلهم ذلًا جعلهم يكرهونه مضاعفة، خاصة أنه يدّعي أنه يهودي، بل تزوج من أميرة من أميرات المكابيين: مريمنة، حفيدة رؤساء الكهنة والملوك الذين أذلوا شعبه سابقًا وختنوهم جبرًا — وسبحان من له الدوام.
ثم ورث أبناء هيرودس — بقوة روما — الحكم في صورة إمارات أو ولايات. وبعد عزل أرخيلاوس — الذي تجبّر أكثر من أبيه، مع غباء وقلة حنكة، حتى ادّعى أنه ملك دون أن تُقرّ له روما بلقب ملك كأبيه — صارت اليهودية منذ سنة 6 ميلادية تحت الحكم الروماني المباشر، وتعاقب عليها ولاة، أشهرهم بيلاطس البنطي، الذي ارتبط اسمه في الرواية المسيحية بصلب المسيح.
انتهت تلك المراحل بثورات ضد الرومان، ثم شتات واسع، وإن ظل وجود يهودي مستمر في مناطق متعددة.
وطوال التاريخ ظهرت دعاوى مسيانية فاشلة. من أشهرها ثورة بار كوخبا (132–136م)، بقيادة شمعون بار كوخبا الذي عُدّ المسيح المنتظر. حاولت الثورة تحرير اليهودية من الحكم الروماني وإعادة بناء الهيكل، لكنها انتهت بهزيمة ساحقة وقمع شديد.
وفي القرن الثاني عشر ظهر داود الروي في بلاد فارس مدعيًا أنه المسيح، وسعى لتنظيم حملة عسكرية لتحرير الأرض من الحكم الإسلامي، لكن محاولته فشلت.
وفي القرن السابع عشر أثار شبتاي تسفي حماسًا ضخمًا بين اليهود في أوروبا والشرق الأوسط، وكان متوقعًا أن يقود العودة، لكنه عندما استقبله السلطان العثماني محمد الرابع جرّه من أذنه إلى القصر، فتحول إلى الإسلام وسمى نفسه محمد عابدين، وأعطاه السلطان معاشًا ورتبة أفندي، فصار اسمه محمد أفندي. والأكثر سخرية أن كثيرًا من أتباعه استمروا يؤمنون به على أنه دهاء عظيم، أو خطة إلهية من أجل جلب المسلمين إلى اليهودية وجمع الاثنين في واحد — كما قالوا عن يسوع قبله ذلك .
ثم جاء يعقوب فرانك في القرن الثامن عشر، وادعى أنه امتداد لتسفي، وانتهت حركته هو الآخر بالتحول إلى المسيحية. لأنه كان في بولندا — ولو كان في الصين لصار كونفوشيوسيًا !.
استمرت محاولات فردية وجماعية في العصور الوسطى، وكلها انتهت بالفشل، إلى أن ظهرت حركة سياسية علمانية هي الصهيونية، نجحت في تحقيق حلم العودة، رغم أنها قوبلت في البداية برفض ديني، قبل أن تصبح مع الوقت مقبولة لدى قطاعات أوسع، مع إعادة تفسير النبوات بشكل مختلف — ليس عند الجميع طبعًا.
كما ظهرت الصهيونية المسيحية، خاصة في إطار اللاهوت التدبيري، حيث اعتقد مؤمنون أنهم يعيشون الأيام الأخيرة، وأنه لا بد من تحقيق نبوءات العهد القديم بعودة اليهود من الشتات وتكوين مملكة تمتد من نهر مصر إلى الفرات (تك 15: 18)، ثم إعادة بناء الهيكل، فظهور «إنسان الإثم» (2 تس 2: 8)، الذي يجلس في هيكل الله كإله، فيستعلن يسوع المسيح في مجيئه الثاني ويبيده بنفخة فمه، فيؤمن اليهود به، وتكون النهاية السعيدة.
هذا هو ملخص لتاريخ اليهود من زمن المملكة الموحدة إلى عودتهم. لكن هنا تبدأ التأويلات السياسية.
إذا قيل إن اليهود هم أصحاب الأرض بحكم الواقع التاريخي الذي سرناه سابقًا — ورغم الغيبة والشتات — لأن لهم ممالك قديمة ووجودًا طويلًا قبل أن يتحولوا إلى أقلية بسبب الاضطهاد المسيحي ثم الغزو العربي/الإسلامي، فالمعضلة أن هذا التاريخ نفسه يبدأ من نقطة تحتاج إلى سؤال: كيف جاءوا إلى الأرض من الأصل؟
الرواية التوراتية تقول إن إبراهيم جاء من أور الكلدانيين، أي أنه مهاجر، وأن الأرض كانت مأهولة بشعوب متعددة.
فلماذا لا تصير هذه نقطة بداية التاريخ؟ وكل الشعوب التي وجدت قبل إبراهيم من كنعانيين وفينيقيين وحيثيين وسكان البحر من كريتيين ومصريين، ومن بقي من نسلهم، أليسوا أصحاب حق أيضًا في الأرض؟ فلماذا تكون خالصة فقط لليهود؟
ثم نزل بنو إسرائيل إلى مصر قرونًا، تختلف التقديرات فيها بين نحو 250 و400 سنة، على اختلاف النصوص التوراتية في سفر التكوين — بين النسخة السامرية، والعبرية/المازورية، والترجمة السبعينية — قبل أن يعودوا، بحسب الرواية الدينية، في صورة غزو من أبشع ما يكون عليه الغزو والنهب والإجرام.
فإذا أخذنا النصوص حرفيًا، فنحن أمام أوامر بالقتل والحرق والإفناء وعدم الشفقة. ووفق الرواية التوراتية شملت هذه الأوامر قتل البشر والحيوانات وحرق الممتلكات وإفناء الزرع والنسل، بما يفوق خيال الشيطان نفسه في تصور الفعل — إذا صحت الرواية.
يقول يهوه في الوصية، بل بالأمر: «لا تشفق عليهم» (تث 7: 2)، و«لا تشفق عينك عليهم» (تث 7: 16). وفي (1 صموئيل 15) كانت الوصية، بل الأمر من يهوه ضد عماليق، لأنهم لم يستقبلوا شعب إسرائيل بالخبز والماء عند صعودهم من مصر قبل خمسة قرون: «وَحَرِّمُوا كُلَّ مَا لَهُ، وَلا تَعْفُوا عَنْهُمْ، بَلِ اقْتُلُوا رَجُلًا وَامْرَأَةً، طِفْلًا وَرَضِيعًا، بَقَرًا وَغَنَمًا، جَمَلًا وَحِمَارًا…».
لكن، حتى مع ذلك، تخبرنا أسفار لاحقة مثل القضاة وصموئيل أن شعوبًا كثيرة بقيت في الأرض، وأن الإبادة الكاملة لم تحدث.
إذن، لماذا نختار لحظة المملكة الموحدة كتاريخ يثبت الحق، وليس قبلها حين كانت السلطة لمصر، أو بعدها لآشور وبابل وإيران واليونان وروما، وحق موسوليني في إمبراطورية من فلسطين إلى إثيوبيا؟ وحين وُجدت شعوب أخرى في نفس هذه المنطقة باقية إلى اليوم لم تنقرض — لماذا يبدأ الحق التاريخي هنا في هذه اللحظة تحديدًا: لحظة إبراهيم الأسطوري المهاجر، أو المملكة الموحدة فقط، وما قبلها لا يُعتد به؟
ولو قلنا إن الشرعية تُبنى على الغزو وإقامة الممالك، فالمصريون غزوا، والفرس غزوا، واليونان غزوا، والرومان غزوا، والعرب غزوا، والتتار غزوا، والسلاجقة غزوا، والصليبيون غزوا، والعثمانيون غزوا… لماذا نقف عند مرحلة معينة ونقول: هذه هي البداية المقدسة والباقي لا؟
التاريخ في هذه المنطقة لم يكن ثابتًا يومًا. هو موجات من هجرة واندماج وغزو وتحول. اختيار نقطة واحدة وتجميدها هو قرار أيديولوجي، لا حقيقة تاريخية ولا موقف موضوعي.
ثم، لو قلنا إن ما قبل اليهود لا شيء ولا حق إلا لهم، ويبدأ التاريخ بهم، ويُمنح حق العودة لهم وحدهم باسم الحق التاريخي بوجود الممالك وشرعية الغزو، فإن العرب غزوا أيضًا بعدهم نفس مناطقهم التاريخية، وقد وضع اليهود القاعدة بذلك.
بل حتى للعرب الغزاة وورثتهم العثمانيين يجب أن نعترف لهم أيضًا بالحق التاريخي — مع ميزة غير موجودة عند مؤسسي الدولة اليهودية الحديثة — وهي واقع الوجود الفعلي.
ولا يستطيع يهود العيون الزرقاء أو البشرة السوداء الادعاء أنهم فعلًا النسل اليهودي الكنعاني الشرق أوسطي، ولا الادعاء أن وجودهم منذ يشوع على هذه الأرض كان مستمرًا كسلطة، وإن وُجدت لهم دائمًا بقية في كل الأرض شرقًا وغربًا، بل في كل القارات أيضًا.
ولكن العرب — والفلسطينيون اليوم — على فرض صحة ادعائهم بأنهم جاؤوا مع الغزو العربي ولم يكونوا سكان الأرض الأصليين، وأن أغلبهم يهود تحولوا إلى الإسلام، ومنهم اليهود الذين أصبحوا مسيحيين قبل ذلك، فإن لديهم ميزة الغزو والبقاء الدائم.
الخلاصة: إذا كان لليهود الحق في دولة — وهذا ما حدث فعليًا بحكم مجريات الأمور في فترة تكوين الدول وهجرة اليهود — وأنا عن نفسي لا يمكن أن أنكر عليهم دولتهم، فكل الشعوب والدول هي نتيجة هجرات وانتقال وغزو واعتراف دولي وأمر واقع. ولكن هل يأتي شخص اليوم لينكر على الفلسطينيين دولة في أرضهم التاريخية والحاضرة، التي لم ينقطعوا عنها؟ أي عقل أو ضمير أو قراءة منحطة للتاريخ يمكن أن تقول بذلك؟.
