أخبارالهلال الخصيبعاجلمتنوعات

في برلين… جائزة تُقسم بين الضحية والجلاد

في إحدى أمسيات برلين الباردة، لم يكن التصفيق هو الصوت الأعلى في القاعة، بل الصمت.

على هامش مهرجان مهرجان برلين السينمائي، اعتلى القائمون على مهرجان السينما من أجل السلام المنصة ليعلنوا فوز فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية بجائزة “أكثر فيلم قيمةً”. لحظة بدت، للوهلة الأولى، انتصارًا للسينما التي تنحاز للضحايا، وتُصرّ على أن تحكي ما لا يُراد له أن يُحكى لكن الأمسية نفسها حملت مفارقة ثقيلة.

ففي البرنامج ذاته، كرّم المنظمون أيضًا نوعام تيبون، الجنرال الإسرائيلي السابق والشخصية المحورية في الوثائقي الكندي “الطريق بيننا”، ومنحوه تكريمًا خاصًا على “إنقاذه أسرته” خلال عملية “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر.

في تلك اللحظة، لم تعد القاعة مجرد فضاء فني، بل تحولت إلى مساحة رمزية تختصر سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا: هل يمكن للسلام أن يُمنح بالتقسيط؟ وهل يمكن للجائزة أن تقف في المنتصف بين روايتين متصادمتين، بين دمٍ يُطالب بالعدالة وسرديةٍ تُطالب بالتبرير؟.

الكلمة التي كسرت البروتوكول

حين صعدت كوثر بن هنية إلى المنصة لتسلّم جائزتها، لم تحمل خطاب امتنان تقليديًا. حملت ورقة. وقالت إنها تحتاج أن تقرأ، لأن الجائزة “أكبر مما تستطيع تحمّله”.

لم تتحدث عن إنجاز فني، ولا عن مسيرة شخصية، بل عن طفلة. عن هند رجب. عن نظامٍ، كما قالت، جعل قتلها ممكنًا. أكدت أن ما حدث ليس استثناءً، بل جزء من سياق أوسع وصفته بالإبادة الجماعية.

ثم انتقلت من الحكاية إلى القاعة نفسها قالت: إن هناك، في برلين، من قدّم غطاءً سياسيًا لتلك الإبادة، عبر إعادة توصيف القتل الجماعي للمدنيين باعتباره “دفاعًا عن النفس” أو “ظروفًا معقدة”، وعبر التقليل من شأن المحتجين. وأضافت جملة بدت وكأنها موجهة مباشرة لفكرة المهرجان: “السلام ليس عطرًا يُرشّ فوق العنف كي تشعر السلطة بالرقي”.

لم يكن التصفيق الذي تلا حديثها تصفيق مجاملة. كان تصفيقًا متوترًا، كأن القاعة تدرك أنها أمام لحظة انكشاف.

ثم جاءت العبارة الحاسمة: لن آخذ هذه الجائزة إلى بيتي. سأتركها هنا كتذكير. هكذا، تحوّلت الجائزة من تتويج إلى شاهد.

بين الرمزية والسياسة

ما حدث في تلك الأمسية يتجاوز حدود حفل تكريم. فمهرجان “السينما من أجل السلام” يقوم في جوهره على فكرة الجمع بين الفن والرسالة الإنسانية. لكن السؤال الذي طرحته المخرجة التونسية، بصوت هادئ ونبرة حاسمة، كان مختلفًا: أي سلام؟ وعلى أي أرضية أخلاقية؟

تكريم فيلم يوثّق مقتل طفلة فلسطينية، وفي الوقت ذاته تكريم جنرال إسرائيلي بوصفه بطلًا إنسانيًا، بدا لكثيرين محاولة للجمع بين صورتين متناقضتين داخل إطار واحد عنوانه “السلام”. غير أن خطاب بن هنية أعاد تعريف المصطلح: لا سلام بلا مساءلة، ولا عدالة من دون تسمية الأشياء بأسمائها.

في لحظة واحدة، انتقلت الأمسية من احتفاء بالسينما إلى مواجهة مع السياسة. لم تعد المسألة تتعلق بفيلم أو جائزة، بل بطريقة صناعة السردية: هل يمكن اختزال الصراع في قصتين متوازيتين متساويتين أخلاقيًا؟ أم أن هناك اختلالًا في ميزان القوة يجعل الحياد ذاته موقفًا؟

الجائزة التي بقيت على المنصة

عندما غادرت كوثر بن هنية المنصة، لم تحمل درعًا زجاجيًا أو شهادة تقدير. تركت الجائزة خلفها، كما قالت، كتذكير. تذكير بأن الفن ليس مجرد صورة جميلة، وأن السلام، إذا لم يكن متجذرًا في العدالة والمساءلة، يتحول إلى شعار.

في تلك الليلة، في برلين، لم تكن القصة قصة فيلم فقط، ولا قصة جنرال، ولا حتى قصة مهرجان. كانت قصة جائزة قُسمت رمزيًا بين الضحية والجلاد، فاختارت صاحبة الفيلم أن ترفض القسمة كلها.

وبين التصفيق والصمت، بقي السؤال معلقًا في هواء القاعة: هل يمكن للسينما أن تكون مساحة محايدة، أم أنها – شاءت أم أبت – تقف دائمًا في صفٍّ طرف ما؟.

زر الذهاب إلى الأعلى