
كتب: هانى الكنيسى
هل تصدّق أن سيارتك “الملاكي” جاسوس صامت يرافقك في كل مشوار؟
السيارات الحديثة هي شبكات معقدة من الحواسيب وأجهزة الاستشعار والاتصال الدائم بالإنترنت .. الكاميرات، والميكروفونات، وشرائح الـSIM في الهواتف “الذكية” المربوطة بأجهزة تشغيل الموسيقى والفيديو في السيارة، وشاشات الخرائط المرتبطة بالأقمار الصناعية GPS.. إلخ كلها تولّد تدفقًا هائلًا من البيانات التي تُرسل أولا بأول إلى جهات “سحابية”.
الشركات الإسرائيلية كانت سبّاقة (كالعادة) في تسخير هذه التكنولوجيا وجمع البيانات التشغيلية وتحويل السيارات إلى “مناجم استخباراتية”، على حد التعبير الذي استخدمته صحيفة ‘هآرتس’ في تحقيقها الاستقصائي الأخير عن تكنولوجيا الـ”كار إنت” CarInt أو ما يُعرف بتقنية “استخبارات السيارات”.
هذا المجال، الذي كان حكراً على أجهزة الاستخبارات الغربية، أصبح صناعة تتداخل فيها الشركات الأمنية الخاصة مع مؤسسات الدولة، حيث يتم استغلال الثغرات “الرقمية” في السيارات الحديثة لممارسة أنشطة المراقبة الحية والتتبّع اللحظي .. أو باختصار “التجسس” الاحترافي.
تقوم فكرة CARINT على تطوير أدوات تقنية تتولّى مراقبة تحركات السيارة في الوقت الفعلي، وتحليل بياناتها الداخلية أولا بأول، ومقارنة المعلومات بمصادر استخباراتية أخرى، وكذلك التعرف عن بُعد على الصوت والفيديو أو الصور التي يتم تشغيلها داخل السيارة.
ووفقاً لتحقيق الصحيفة العبرية، فإن شركات إسرائيلية مثل Cellebrite، و Toka، و Rayzone، وAteros باتت “الرائدة” في هذه التكنولوجيا الحديثة، مستفيدةً من خبرات ضباط سابقين في الجيش ووحداته السيبرانية.
اللافت أن شركة Toka شارك في تأسيسها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ‘إيهود باراك’ (والذي كشفت ملفات ‘إبستين’ أنه كان شريكًا تجاريا لصديقه الملياردير المنحرف والمهووس بتقنيات التجسس والاختراق)، إلى جانب مسؤولين سابقين في وحدات الأمن السيبراني. ووفق ‘هآرتس’، فقد طوّر الجنرال الإسرائيلي المتقاعد ‘يارون روزن’، قبل ثلاث سنوات تحت مظلة الشركة، نظامًا لاختراق ميكروفونات السيارات اللاسلكية وكاميرات لوحة القيادة ولدمج بيانات الكاميرات مع معلومات السيارة.
ومؤخرًا، وسّعت الشركة نطاق منتجاتها لاستهداف طرازات محددة من السيارات، واستغلال ثغرات في أنظمة الوسائط المتعددة لتحديد هوية السيارة وتتبع مسارها، ومن ثم “التنصت على ركابها”.
والأدهى أن وزارة الدفاع الإسرائيلية وافقت على عرض هذه المنتجات على المتعاملين معها، ما يشير إلى وجود “إشراف رسمي” على هذا النوع من تقنيات “استخبارات السيارات” CARINT
أما شركة Rayzone-المعروفة بأدواتها في الاستخبارات السيبرانية- فدخلت المجال من خلال شركتها الفرعية TA9، والتي تفوقت في تحديد الأهداف “المتحركة” وتتبع المركبات بدقة عالية عبر بيانات الموقع، وشرائح SIM، وبث كاميرات الطرق. ويوضح تقرير ‘هآرتس’ أن أدوات Rayzone قادرة على الربط بين بيانات الإعلانات التجارية والمعلومات المتاحة للجمهور لتحديد هوية الأفراد دون الحاجة لاختراق أجهزتهم، وهو الأسلوب المعروف في الأمن السيبراني باسم OSINT+)
وعلى نفس المنوال، تعمل شركة Ateros الإسرائيلية التي نجحت في تحقيق نقلة نوعية في مراقبة السيارات -باستخدام أجهزة “استشعار الإطارات” دون الحاجة لمعلومات الـGPS- وتوصّلت إلى تحديد “بصمة رقمية” لكل سيارة لا يمكن تعطيلها.
وبفضل الذكاء الاصطناعي، أصبح “التنبؤ” بتحركات الأهداف (أي السيارات) متاحا لتلك الشركات “الاستخباراتية”، عبر تحليل أنماط السفر ولوحات الترخيص والاتصالات في الزمن الحقيقي.
ويستفيض التحقيق في شرح كيف أن تقنياتCARINT اكتسبت بعدًا أمنيًا مباشرًا عقب هجمات 7 أكتوبر، عندما تعاونت الحكومة الإسرائيلية مع شركات خاصة لتتبع المركبات التي استولى عليها مقاتلو حماس. بينما قيّد جيش الاحتلال دخول السيارات الكهربائية الصينية إلى المواقع الحساسة “خشية أن تنقل أنظمتها المتصلة بيانات إلى جهات أجنبية”.
وعلى ذكر الصين، تجدر الإشارة إلى أن قوانينها تُلزم الشركات المصنّعة بنقل بيانات السيارات “الرقمية” إلى السلطات “لأغراض أمنية”.
وطبعا، فإن هذه الممارسة معمول بها -قبل الصين بسنوات- في الولايات المتحدة وبعض البلدان الأوروبية، إلى حد تطوير تقنيات تسمح بتعطيل السيارات عن بُعد “إن دعت الضرورة الأمنية” (نقلت دورية Wired عن باحثين في الأمن السيبراني الأمريكي تفاصيل تطوير برامج للتحكم في سيارات المدنيين عن بُعد، منذ اختراق سيارة ‘جيب شيروكي’ عام 2015).
يعني لما سيارة سيادتك “الحديثة” تتعطل فجأة أثناء “نزهة” مع المدام والأولاد فليس بالضرورة. أن السبب ميكانيكي أو فني .. وربما تجد نفسك مغمّى العينين ومكمم الفم وملقى في إحدى الزنزانات المظلمة بتهمة تبادل
