إبداعات عربيةعاجلملفات

نظرية “الاستبدال الكبير”… من أطروحة فكرية إلى مرجعية للعنف اليميني

بقلم أرنست وليم

تقوم نظرية “الاستبدال الكبير” (Le Grand Remplacement) على الادعاء بوجود عملية متعمدة تقودها نخب سياسية وثقافية في الغرب بهدف استبدال السكان البيض المسيحيين بمهاجرين من أعراق وثقافات أخرى، بما يؤدي – وفق هذا التصور – إلى تغيير الهوية الديموغرافية والحضارية للمجتمعات الغربية.

صاغ المصطلح الكاتب الفرنسي رينو كامو في كتابه Le Grand Remplacement عام 2011، حيث طرح فكرة أن الهجرة الجماعية من خارج أوروبا تغيّر البنية العرقية والثقافية للقارة، وأن النخب السياسية تشجع هذا التحول أو تتواطأ معه. ومن هنا بدأت الفكرة تتحول إلى “نظرية تفسير كبرى” لتفسير كل تغير ديموغرافي.

غير أن جذور الطرح أقدم من ذلك؛ ففي عام 2002 نشر المفكر الأمريكي باتريك بيوكانان كتابه Death of the West، محذرًا من انخفاض معدلات الإنجاب بين البيض المسيحيين ومن اتساع الهجرة، ومتسائلًا: هل الغرب يحتضر ديموغرافيًا؟ لم يستخدم بيوكانان لغة المؤامرة الصريحة، لكنه وضع إطارًا فكريًا ستتغذى عليه لاحقًا سردية “الاستبدال”.

من خطاب فكري إلى عقيدة تعبئة

في أوروبا، تبنت حركات اليمين القومي المتطرف هذه الفكرة بوضوح أكبر. وداخل أوساط قومية بيضاء ونازية جديدة، لم تعد “الاستبدال” مجرد تحليل ديموغرافي، بل تحولت إلى عقيدة تعبئة. بعض منفذي الهجمات الإرهابية في نيوزيلندا والولايات المتحدة استشهدوا بها صراحة في بياناتهم. وهنا لم تعد الفكرة مجرد رأي سياسي، بل أصبحت تبريرًا مباشرًا للعنف.

في أكتوبر 2018 وقع هجوم كنيس “تري أوف لايف” في بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا، حيث قتل مسلح 11 شخصًا داخل المعبد اليهودي. كان منفذ الهجوم يعتقد أن منظمات يهودية تدعم الهجرة إلى الولايات المتحدة بهدف “تغيير” هوية البلاد الديموغرافية. ورغم أنه لم يستخدم مصطلح “الاستبدال الكبير” حرفيًا، فإن منطقه قام على الفكرة ذاتها: وجود قوى تتعمد استبدال السكان البيض عبر فتح باب الهجرة.

وفي مارس 2019 شهدت مدينة كرايست تشيرش في نيوزيلندا هجومًا إرهابيًا على مسجدين أسفر عن مقتل 51 شخصًا. نشر المنفذ بيانًا بعنوان “The Great Replacement” قبل تنفيذ الجريمة، وأعلن صراحة أنه يتحرك بدافع وقف ما اعتبره استبدالًا ديموغرافيًا للأوروبيين البيض. شكل هذا الهجوم نقطة تحول، إذ ارتبط المصطلح عالميًا بالعنف اليميني المتطرف.

وفي أغسطس 2019 وقع هجوم إل باسو في ولاية تكساس الأمريكية، حيث استهدف مسلح متجرًا في منطقة ذات أغلبية من أصول لاتينية، ما أدى إلى مقتل 23 شخصًا. تحدث في بيانه عن “الغزو الهيسباني لتكساس” وضرورة إيقاف التحول السكاني، متبنيًا جوهر النظرية التي ترى في الهجرة تهديدًا وجوديًا.

وفي مايو 2022 شهدت مدينة بوفالو بولاية نيويورك هجومًا على متجر في حي يغلب عليه السكان السود، أسفر عن مقتل 10 أشخاص. نشر المنفذ وثيقة طويلة استشهد فيها صراحة بنظرية “الاستبدال الكبير”، مؤكدًا أن البيض يتعرضون – بحسب زعمه – لتراجع ديموغرافي متعمد.

أما في فرنسا، ففي أبريل 2025 وقع هجوم مأساوي في بلدة لا غراند-كومب جنوب البلاد، حين اقتحم متطرف يميني مسجدًا وطعن شابًا مسلمًا يبلغ 22 عامًا أثناء تنظيفه المسجد قبل صلاة الجمعة، ما أدى إلى مقتله. أثار الحادث صدمة واسعة وتحذيرات من تصاعد جرائم الكراهية ضد المسلمين.

بين السياسة وسردية الهوية

داخل التيار الترامبي في الحزب الجمهوري لا يوجد تبنٍّ رسمي لنظرية “الاستبدال الكبير” كعقيدة حزبية. غير أن خطاب “التحول الديموغرافي” و”تغيير هوية البلاد” و”استيراد ناخبين جدد عبر الهجرة” أصبح شائعًا في بعض المنابر الإعلامية المحافظة. أحيانًا يُطرح بلغة انتخابية، وأحيانًا بلغة ثقافية تتحدث عن فقدان الجذور اليهودية-المسيحية لأمريكا.

والفرق جوهري: هناك فارق بين القول إن “الهجرة غير المنظمة تخلق فوضى وأزمة أمنية”، وبين الادعاء بوجود “مشروع لاستبدال البيض البروتستنت”. الأول نقاش سياسات، أما الثاني فسردية هوية وجودية.

في المقابل، لا يخدم النقاشَ إنكارُ وجود تيارات تتبنى هذا التصور صراحة، كما لا يخدمه أيضًا تعميم الاتهام بالعنصرية على كل المحافظين. فالمعضلة الحقيقية ليست في وجود قلق ديموغرافي – وهو واقع قابل للقياس بالأرقام – بل في كيفية تفسيره وإدارته: هل يُعالج بسياسات عقلانية؟ أم يُحوَّل إلى قصة مؤامرة كبرى؟.

الفارق بين المسارين هو الفارق بين دولة ديمقراطية قلقة… ودولة يقودها الرعب.

زر الذهاب إلى الأعلى