ماذا وراء الحملة الصهيونية على “فلسطينية” المسيح في أميركا؟

كتب: هانى الكنيسى
الضجة السياسية والإعلامية الناجمة عن مقابلة السفير الأمريكي لدى إسرائيل مع ‘تاكر كارلسون’، والتي كشف فيها “سهوًا أو غرورًا” عن قبح العقلية الصهيونية وعمق ريائها باعترافه أن “لليهود حق توراتي في الأرض ما بين نهر الفرات ونهر النيل”، دفعت عددا من الدول العربية والمسلمة -بل والأوروبية- إلى إصدار بيان “تنديد” جماعي بتصريحات الدبلوماسي والقس المسيحي السابق التي وُصفت بأنها “فاقت في تطرفها هرطقات وزير الأمن القومي الإسرائيلي اليميني المعتوه بن غفير”.
لكن أهم من بيانات الشجب والتنديد التي لم تقدّم يوما أو تؤخر في واقع السياسة الدولية الغربية المتماهية مع هذه الرؤية “التوراتية”، كان ما أثارته تلك المقابلة (التي تجاوزت حاجز الـ 5.5 مليون مشاهدة على منصات يوتيوب، وإكس، وفيسبوك، خلال الأيام الثلاثة الأولى من عرضها) من اهتمام غير مسبوق باستكشاف عقيدة “المسيحية الصهيونية” وجذور شعبيتها في الولايات المتحدة، باعتبار أن ‘هاكابي’ هو أحد أبرز سفرائها العالميين.
وفي هذا السياق، يكشف التحقيق الاستقصائي الذي نشرته ‘هآرتس’ ، تحت عنوان “مكافحة كذبة يسوع كان فلسطينيًا”، شبكة معقدة من المواقع والشركات التي تعمل -في الولايات المتحدة- تحت غطاء مكافحة معاداة السامية، في حين أن أجندتها الحقيقية هي الترويج لسرديات تمجّد إسرائيل وتشوّه كل ما يتعلق بالفلسطينيين.
وفقاً للصحيفة العبرية، أنفقت الحكومة الإسرائيلية عشرات الملايين من الدولارات على “حملة غير معلنة” تستهدف تحديداً اليمين المسيحي والإنجيليين الموالين للرئيس دونالد ترمب، في محاولة لوقف تراجع الدعم لإسرائيل داخل هذه القاعدة الانتخابية المؤثرة بعد افتضاح جرائم حرب الإبادة في غزة.
ويكشف التحقيق الطويل أن الحملة (الصهيونية) ركّزت على أربعة محاور: تبرير الرواية الإسرائيلية دينيًا، ربط الصورة الذهنية عن الفلسطينيين بالتطرف والإرهاب، دحض مقولة “يسوع كان فلسطينيًا”، و تعزيز صورة إسرائيل كحليف “روحي وسياسي” للمسيحيين المحافظين (الإنجيليين).
اللافت في التحقيق، أنه رصد أسماء المؤسسات الأمريكية التي حملت لواء تلك الحملة، وفي مقدمتها شركة Clock Tower X التي يملكها ‘براد بارسكيل’، المدير الرقمي السابق لحملات ترمب الانتخابية، والتي حصلت على عقد بقيمة 9 ملايين دولار من الحكومة الإسرائيلية لمكافحة “معاداة السامية”.
وبالفعل شرع ‘بارسكيل’ في تنفيذ عمليات الدعاية تحت اسم كودي “مشروع 545″، الذي وصفه بأنه “يعزز موقف إسرائيل في مجال الاتصالات الاستراتيجية والدبلوماسية العامة”. وهو ما ترجمته رسالة ‘إيرن شايوفيتش’ رئيس ديوان الخارجية الإسرائيلية، على موقع ‘لينكد إن’ حين كتب بعد مرور عام على حرب الإبادة في غزة: “بدأنا أخيرا الرد بجدية”.
وفي القائمة أيضا، شركة Show Your Faith by Works التي يقودها الناشط اليميني’تشاد شنيتجر’، والتي تكشف ‘هآرتس’ أنه أبرم عقدا مع حكومة نتنياهو بقيمة 4.1 مليون دولار، لتنفيذ “أكبر حملة تحديد مواقع جغرافية للكنائس في تاريخ الولايات المتحدة”.
ثم تظهر الشبكة المسيحية المحافظة “سالم الإعلامية” Salem Media Group التي تولت توزيع معظم رسائل الحملة الصهيونية، علما بأن ‘بارسكيل’ (حليف ترمب) يشغل منصب كبير مسؤولي الاستراتيجية فيها.
ويستفيض التحقيق الاستقصائي في شرح آليات عمل الحملة “الدينية” المموّلة إسرائيليا، عبر تقنيات تجسس ناعمة ورسائل دينية مُعلّبة، تنوعت بين:
1- تحديد المواقع الجغرافية للجمهور المستهدف: من خلال تتبع الأجهزة المحمولة داخل الكنائس والكليات المسيحية خلال ساعات العبادة، ثم عرض إعلانات مؤيدة لإسرائيل مباشرة على هواتفهم.
2- التخفي وراء مواقع تبدو كمراكز أبحاث أكاديمية بينما يقتصر نشاطها على ترويج الرواية الإسرائيلية، مثل: Cultoravia، Allyvia.org، PaxPoint
3- إقامة معارض متنقلة: ومن أشهرها، مقطورة بعنوان “تجربة 7 أكتوبر” تجوب مواقف الكنائس والحرم الجامعية لتقديم الرواية الإسرائيلية عن طوفان الأقصى.
4- شبكة المؤثرين على السوشيال ميديا: إذ تدير وزارة شؤون المغتربين الإسرائيلية شبكة تضم 14 إلى 18 مؤثراً Influencers ينشرون عشرات المقاطع شهرياً على منصات ‘تيك توك’، و’إنستغرام’.
5- توزيع رسائل نصية غامضة: إذ ثبت أن منظمات “لا وجود لها” (أغلبها عبارة عن روبوتات محادثة) تحمل أسماءً مألوفة مثل “شركاء من أجل السلام”، و”أصدقاء من أجل السلام”، توجّه رسائل من شخصيات وهمية مثل “راشيل” و”إيما” و”جون”، تروّج لإسرائيل وتشوّه صورة الفلسطينيين. وقد تتبّع التحقيق بعض تلك الرسائل وصولا إلى مصدرها شركة Clock Tower X، التي تنتج أيضاً مقاطع فيديو مثل: فيديو على يوتيوب من قناة “حلفاء السلام” يزعم أن كل مشاهد الانفجارات والمجاعة والمباني المنهارة في غزة “مُختلقة من جماعات فلسطينية متطرفة”
وفي الختام، يخلص التحقيق إلى “عدم قانونية” حملة الدعاية الصهيونية في الولايات المتحدة، لأن قانون “تسجيل الوكلاء الأجانب” FARA يوجب “الإفصاح عن أي مواد تُوزّع داخل المجتمع الأمريكي نيابة عن دولة أجنبية”، بينما لا تحمل الرسائل النصية ومقاطع الفيديو والمواقع التي تديرها الشركات المرتبطة بإسرائيل أي إفصاح، وهو ما يمثّل -حسبما نقلت ‘هآرتس’ عن خبراء قانونيين أمريكيين- انتهاكاً صريحاً للقانون يستوجب التحقيق.
وهنا يبرز السؤال بالتريليون دولار: من ذا الذي سيطلب التحقيق؟
أما السؤال “الفلسفي” الأصعب: لو لم يكن يسوع عليه السلام فلسطينيا، فماذا كانت جنسيته عندما وُلد في بيت لحم الفلسطينية؟.
