أخبارالشرق قادمعاجل

باكستان وطالبان أفغانستان… من تحالف الضرورة إلى صراع الحدود

المحرر السياسى 

تتجه العلاقات بين باكستان وأفغانستان نحو مزيد من التوتر، في مشهد يعكس تحوّلًا عميقًا في معادلات الأمن والسيادة في جنوب آسيا. فبعد عودة حركة طالبان إلى الحكم في كابول عام 2021، بدا أن صفحة جديدة ستُفتح مع إسلام آباد، لكن الوقائع الميدانية سرعان ما كشفت عن تصدع في الثقة، تصاعد إلى اشتباكات حدودية وإغلاق معابر حيوية.

اتهامات متبادلة وتصعيد ميداني

تتهم باكستان السلطات الأفغانية بعدم كبح نشاط حركة طالبان باكستان التي تنفذ هجمات داخل الأراضي الباكستانية، وتقول إن عناصرها تجد ملاذًا آمنًا عبر الحدود. في المقابل، ترفض كابول هذه الاتهامات، معتبرة أن باكستان توظف ملف “مكافحة الإرهاب” للضغط السياسي ولفرض أمر واقع عبر استكمال السياج الحدودي وتعزيز انتشارها العسكري.

هذا التوتر انتقل من التصريحات الدبلوماسية إلى مواجهات متقطعة وقصف متبادل، إضافة إلى إغلاق معابر رئيسية مثل تورخم وسبين بولدك، ما أثر على حركة التجارة وتنقل المدنيين، وزاد من الضغوط الاقتصادية في بلدين يعانيان أصلًا من أزمات مالية ومعيشية.

خط ديوراند… جذور الأزمة التاريخية

تعود جذور الخلاف إلى عام 1893، حين رُسم خط ديوراند باتفاق بين الدبلوماسي البريطاني مورتمر دوراند وأمير أفغانستان عبد الرحمن خان. وقد قسم الخط مناطق البشتون بين طرفين، وعندما تأسست باكستان عام 1947 اعتبرته حدودًا دولية نهائية، بينما لم تعترف به الحكومات الأفغانية المتعاقبة بشكل صريح ودائم.

اليوم تجد طالبان نفسها في موقف معقد؛ فهي بحاجة إلى علاقة مستقرة مع باكستان، لكنها تواجه ضغوطًا قبلية وقومية داخلية ترفض الاعتراف النهائي بالحدود. وهكذا يعود الإرث الاستعماري إلى الواجهة، ليضع “حلفاء الأمس” أمام اختبار صعب بين الواقعية السياسية وحسابات الهوية.

الصين… استقرار لحماية المصالح

تتعامل الصين مع الأزمة بحذر واضح. فبكين ترتبط بعلاقة استراتيجية وثيقة مع باكستان، خاصة عبر مشروع الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، أحد أهم أركان مبادرة الحزام والطريق. وفي الوقت ذاته، فتحت قنوات تواصل رسمية مع حكومة طالبان لضمان عدم تحول الأراضي الأفغانية إلى ملاذ لجماعات قد تهدد إقليم شينجيانغ أو المصالح الصينية.

وتسعى بكين إلى احتواء التصعيد عبر دبلوماسية هادئة، إدراكًا منها أن استمرار الاشتباكات يهدد الاستقرار الإقليمي ويضع مشاريعها الاقتصادية في دائرة المخاطر. تدخلها هنا تحكمه البراغماتية الاقتصادية والأمنية أكثر من أي اعتبارات أيديولوجية.

الهند… مراقبة واستثمار للتوازنات

من جهتها، تنظر الهند إلى التوتر من زاوية تنافسها الاستراتيجي مع باكستان. فقد دعمت نيودلهي الحكومات الأفغانية السابقة واستثمرت في مشاريع تنموية بهدف تقليص النفوذ الباكستاني وفتح منفذ نحو آسيا الوسطى. وبعد عودة طالبان، فقدت جزءًا من نفوذها المباشر في كابول، لكنها أعادت فتح قنوات تواصل حذرة انطلاقًا من براغماتية سياسية.

انشغال باكستان بجبهتها الغربية يمنح الهند هامشًا استراتيجيًا أوسع على جبهتها الشرقية، خاصة في ظل تداخل هذا المشهد مع علاقاتها المتنامية مع الولايات المتحدة في إطار احتواء صعود الصين. ومع ذلك، لا تسعى نيودلهي إلى تفجير الصراع، بل تراقب بحذر أي اختلال في العلاقة بين كابول وإسلام آباد دون الانخراط المباشر في المواجهة.

أزمة سيادة في بيئة مضطربة

في المحصلة، لا تختزل الأزمة في خلاف تقني حول خط حدودي، بل تعكس صراعًا أعمق حول مفهوم السيادة وحدود الدولة الحديثة في فضاء تتداخل فيه الهويات القبلية مع حسابات الأمن القومي. خط يتجاوز عمره قرنًا من الزمن عاد ليصبح عنصرًا حاسمًا في معادلات الاستقرار الإقليمي، في وقت تتصاعد فيه المنافسة بين القوى الكبرى وتتشابك فيه المصالح الاقتصادية والأمنية.

ويبقى مستقبل العلاقة بين كابول وإسلام آباد مرهونًا بقدرتهما على بناء آلية تعاون أمني واضحة، تُخفف من منطق الاتهامات المتبادلة، وتمنع انزلاق الحدود من توتر مزمن إلى مواجهة أوسع قد تتجاوز حدود البلدين.

زر الذهاب إلى الأعلى