عاجلمتنوعاتنحن والغرب

ألغام ملفات إبستين – الحلقة العاشرة: غواية العلماء وأهل الخير

كتب : هانى الكنيسى

من أخطر ما كشفته ملفات الملياردير المنحرف ‘جيفري إبستين’، أن سطوة الشهوة وغفلة النزوات قد تتجاوز نزق السياسيين ورجال الأعمال وأصحاب السلطة إلى العقليات العلمية وأفذاذ التكنولوجيا وأصحاب المشاريع الإنسانية والأعمال الخيرية .. بل ولا تعترف حتى بالعراقيل الصحية أو بنضج الشخصية. وفي ذلك مثالان صارخان:

الأول: الملياردير ‘بيل غيتس’ مؤسس أهم شركات التكنولوجيا الرقمية في العصر الحديث ‘مايكروسوفت’، والذي تربّع لسنوات على قمة أغنى أغنياء العالم، اعترف في اجتماع داخلي لمؤسسة ‘بيل وميليندا غيتس’ الخيرية (تتجاوز ميزانيتها 60 مليار دولار) بأنه أقام علاقات خارج إطار الزواج مع امرأتين روسيتين، واستمراره في التواصل مع ‘إبستين’ بعد إدانته عام 2008، واصفًا ذلك بأنه “خطأ فادح”.

وفي التسجيل الذي نشرته جريدة ‘وول ستريت جورنال’، أقرّ ‘غيتس’ (71 عاما من العمر) بأن ‘إبستين’ حاول لاحقًا “استغلال معرفته بإحدى الفتاتين للضغط عليه بعد رفضه المشاركة في صندوق خيري مقترح”، قائلًا لموظفيه “لم أفعل ولم أر شيئًا”.  

وقد تعهّد ‘بيل غيتس’ الذي تُقدر ثروته حالياً بحوالي 107.2 مليار دولار أمريكي (ويُعد أحد أكبر المتبرعين في العالم للأعمال الخيرية)، بأنه سيواجه بشجاعة “تبعات” علاقته بشبكة ‘إبستين’.

والمثال الثاني: ‘ستيفن هوكينغ’) عبقري الفيزياء النظرية الذي عاش لعقود مشلولًا يتحرك بكرسي ذي تجهيزات خاصة وبجهاز نطق إلكتروني للتواصل، بسبب مرض “التصلب الجانبي الضموري” ALS، لكنه ظلّ حاضرًا بمحاضراته وأبحاثه في المشهد العلمي العالمي حتى وفاته عام 2018 (عن عمر ناهز 76 عاما). 

إذ تُظهر الوثائق المنشورة مؤخرا من “ملفات إبستين” صورة لهوكينغ منتشيًا بين امرأتين بلباس البحر (البيكيني). وبرغم أن عائلته زعمت أنهما كانتا من طاقم رعايته “الصحية”، فإن تزامن الصورة مع مشاركته في مؤتمر علمي عام 2006 في فندق ‘ريتز كارلتون – سانت توماس’، ضمن فعالية بتمويل من الملياردير ‘جيفري إبستين’ تحت عنوان “طاقة الفضاء الفارغ غير الصفري” (شارك فيها 21 عالمًا زاروا لاحقًا جزيرة ‘ليتل سانت جيمس’ المملوكة لإبستين)، أثار تساؤلات أقرب للشكوك بشأن سقوط عالم الفيزياء البريطاني القعيد في براثن “شبكة الملذات” المشبوهة. وقد عزز تلك الشكوك ورود اسم ‘هوكينغ’ مئات المرات في الوثائق التي نشرتها وزارة العدل الأمريكية مؤخرا، علمًا بأنه لم تثبت صحة بعض البلاغات حول حضور ‘ستيفن هوكينغ’ و’إبستين’ فعالية “مشتركة” عام 2011، كما لم تظهر أي صور تجمع بينهما مباشرة.

وبعيدا عن أن تعقيدات “الفضاء الفارغ غير الصفري” لا تتناسب بالمرة مع وقار “البيكيني” الذي ارتدته موظفتا الرعاية في الصورة المرفقة (حاولت أفهم مصطلح “الفضاء الفارغ” دون نتيجة، ولم أحاول أن أفكر حتى في لفظ “غير الصفري”)، فالمعروف أن ‘إبستين’ لم يخترق فقط النُخب السياسية والمالية ودوائر صنع القرار عبر شبكته لخدمات المتعة الجنسية، بل نجح أيضا في التسلل إلى محاريب العلم والفكر وناموسيات العمل الخيري، عبر تقديم نفسه راعيًا للبحث العلمي (تبرع لأنشطة أكاديمية وإنسانية بحوالي 9.1 ملايين دولار بين عامي 1998 و2008، حسب مراجعة لجامعة ‘هارفارد’).

 أن الملياردير المنحرف كان بارعا في العزف على أوتار “الغريزة الرجالية” مثلما كان عبقريا في

تحويل النزوات الشخصية إلى أوراق ضغط وابتزاز.

والحقيقة أن حالتيْ العالِم العبقري المشلول ‘ستيفن هوكينغ’ وملياردير التكنولوجيا الخيري ‘بيل غيتس’ في ملفات “فضائح إبستين”، تكشفان أن “الغواية” مكمن ضعف بشري لا يعترف بمنصب سياسي أو بمكانة اجتماعية، وبأنها قد تتخطى حدود الشهوة الجسدية إلى مزيج معقد من الانبهار بالنفوذ وغرور الإحساس بالحصانة (الذي يولده النجاح العلمي أو المالي) ومعضلة الفراغ العاطفي (الذي قد يرافق حياة مفعمة بالاجتهاد والإنجازات).

زر الذهاب إلى الأعلى