
في الوقت الذي تتصاعد فيه حدة المواجهة حول إيران، تبدو عواصم إقليمية كبرى في حالة ترقب حذر. فبرغم الخلافات السياسية والاستراتيجية العميقة بين طهران وكل من مصر وتركيا وعدد من دول الخليج، فإن سيناريو انهيار الدولة الإيرانية أو تفككها يثير قلقًا يتجاوز حدود الخصومة التقليدية.
من “إسقاط النظام” إلى “تفكيك الدولة”؟
يرى مراقبون أن النقاش الدائر في مراكز القرار الدولية لم يعد يقتصر على تغيير النظام السياسي في إيران، بل يمتد – وفق تقديرات وتحليلات – إلى احتمال الدفع نحو إضعاف البنية المركزية للدولة نفسها. ويخشى البعض من انتقال المشهد من فكرة “إسقاط نظام مع بقاء الدولة” إلى سيناريو أكثر تعقيدًا يقوم على إنهاك المركز، وصعود أطراف إقليمية ذات نزعات استقلالية، بما يفتح الباب أمام حالة من “السيولة الجغرافية”.
هذا التصور – وإن ظل محل جدل واسع – يقوم على فرضية أن تفكك الدول الكبرى في المنطقة قد يُنظر إليه كوسيلة لإعادة تشكيل موازين القوى، عبر تقليص نفوذها الإقليمي وتحويلها إلى كيانات أصغر وأقل قدرة على التأثير.
عدوى التفكك: لماذا يقلق ذلك القاهرة وأنقرة والرياض؟
بالنسبة إلى مصر وتركيا ودول الخليج، فإن المسألة لا تتعلق بالتعاطف مع طهران، بل بالخوف من سابقة استراتيجية. فإذا تحولت إيران إلى ساحة صراعات داخلية طويلة الأمد أو إلى أقاليم متنازعة الصلاحيات، فإن ذلك قد يشجع – نظريًا – أطروحات مماثلة في دول أخرى متعددة الأعراق أو ذات امتدادات جغرافية واسعة.
القاهرة، التي تضع مفهوم الدولة الوطنية المركزية في صدارة أولوياتها منذ عقود، تنظر بحساسية إلى أي نماذج قد تُضعف فكرة “الدولة الموحدة” في الإقليم. أما أنقرة، التي تواجه بدورها تحديات تتعلق بالمسألة القومية والأمن الحدودي، فتدرك أن إعادة رسم خرائط النفوذ في جوارها الشرقي قد يحمل انعكاسات مباشرة عليها. وفي الخليج، حيث توازنات الأمن الإقليمي دقيقة، فإن تفكك إيران قد يعني فوضى حدودية وأمنية يصعب احتواؤها.
بين اللامركزية والبلقنة
في الخطاب السياسي، تُطرح مفاهيم مثل “اللامركزية” و”الكونفدرالية” بوصفها حلولًا لإدارة التنوع الداخلي. غير أن منتقدين يحذرون من أن هذه الطروحات قد تتحول – في سياقات صراعية – إلى أدوات لتفكيك السلطة المركزية وإضعاف السيادة الوطنية، خصوصًا إذا جاءت في ظل تدخلات خارجية أو صراعات مسلحة.
مصطلح “البلقنة” عاد إلى التداول في تحليلات عدة، في إشارة إلى تجربة تفكك دول متعددة القوميات إلى كيانات أصغر متنافسة. ويرى بعض الباحثين أن تكرار مثل هذا السيناريو في الشرق الأوسط سيعني انتقال المنطقة من صراع بين دول إلى صراعات داخل الدول، بما يطيل أمد عدم الاستقرار.
صراع على “البقاء الجغرافي”
تُظهر الأزمة الراهنة أن جوهر المخاوف الإقليمية لا يقتصر على هوية النظام الإيراني، بل يمتد إلى شكل الدولة وحدودها. فبالنسبة لصناع القرار في المنطقة، فإن بقاء الدول بحدودها المعترف بها دوليًا وبمؤسسات مركزية قوية يُعد عنصرًا أساسيًا للاستقرار.
ويحذر خبراء من أن انهيار دولة بحجم إيران – جغرافيًا وديمغرافيًا – لن يكون حدثًا معزولًا، بل قد يُحدث ارتدادات أمنية واقتصادية تمتد من شرق المتوسط إلى الخليج وآسيا الوسطى.
بين الواقعية والمبالغة
مع ذلك، يشير محللون آخرون إلى أن سيناريو “التفكيك الممنهج” لا يزال في إطار التحليل السياسي أكثر منه خطة معلنة، مؤكدين أن تفكيك دولة بحجم إيران عملية شديدة التعقيد وتحمل كلفة دولية باهظة. كما أن تجارب سابقة أظهرت أن انهيار الدول غالبًا ما ينتج فوضى يصعب التحكم في مساراتها، حتى من قبل القوى الكبرى.
الخوف الذي يسود بعض العواصم الإقليمية لا يتعلق بالدفاع عن طهران، بل بالخشية من تحولات جيوسياسية عميقة قد تمس بنية الدولة الوطنية في الشرق الأوسط. وبين من يرى ما يحدث “بروفة لإعادة رسم الخرائط” ومن يعتبره تصعيدًا سياسيًا قابلاً للاحتواء، تبقى الحقيقة أن أي زلزال كبير في إيران لن يبقى محصورًا داخل حدودها، بل سيعيد طرح السؤال الأهم: كيف تحافظ دول المنطقة على استقرارها ووحدتها في زمن التحولات الكبرى؟
