أخبارالهلال الخصيبعاجل

وفي ذروة الحرب: لماذا يحمي ترمب النفط الإيراني؟ وما سر جزيرة “خرج”؟

كتب: هانى الكنيسى 

المرة الوحيدة التي ظهرت فيها بوادر “شقاق” بين واشنطن وإسرائيل منذ بدء حربهما المشتركة على إيران، كانت عندما قصفت طائرات “زئير الأسد” مصفاتي نفط ومستودعين قرب طهران السبت الماضي، فغرقت العاصمة الإيرانية ذات الـ 16 مليون نسمة في ظلام الدخان الأسود الكثيف في عز النهار، وأمرت إدارة الرئيس البرتقالي ربيبتها الدموية بالتوقف فورًا عن مهاجمة منشآت الطاقة والنفط الإيرانية. 

ورغم أن بيانات القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) تؤكد قصف أكثر من 5500 هدف داخل إيران منذ بدء عملية “الغضب الملحمي”، إلا أنها امتنعت -حتى الآن- عن قصف البنية التحتية النفطية في إيران. (على النقيض من حرصها على تدمير المنشآت التاريخية والمواقع الأثرية، كما حدث في أصفهان وتبريز). 

وفي هذا السياق، استوقفتني “مصادفة” أن يتصدر موضوع واحد وعنوان شبه متماثل موقعي أبرز صحيفتين بريطانيتين اليوم؛ ‘الغارديان’ و ‘التلغراف’؟! كلتاهما تناولت قصة جزيرة ‘خرج’ (تُنطق بالجيم القاهرية غير المعطشة) الإيرانية، وطرحتا تساؤلات حول أسباب امتناع جيش ترمب عن استهدافها برغم وصفها بشريان “الأورطى” للاقتصاد الإيراني والمسؤولة عن مرور 90- 95% من صادرات النفط؟! 

الجزيرة المرجانية التي لا تتجاوز مساحتها 20 كم مربع والواقعة على بُعد 27 ميلاً من بر بوشهر، والتي تضم شبكة متكاملة من المنشآت النفطية التي شيّدتها شركة أموكو الأمريكية العملاقة، قبل أن تستحوذ عليها الثورة الإسلامية عام 1979، هي “نقطة النهاية” لخطوط الأنابيب الممتدة من وسط وغرب البلاد، فضلا عن كونها ميناءً عميقًا “يتيمًا” يسمح بتحميل ناقلات النفط العملاقة، وهو ما لا يتوفر في معظم السواحل الإيرانية الطينية الضحلة.  

وبحسب تقديرات بنك الاستثمار الدولي ‘جي بي مورغان’، فإن ما بين 1.3 و1.6 مليون برميل من النفط الخام كان يصدر يوميًا عبر ميناء ‘خرج’ -ومعظمه يذهب إلى الصين- إلا أن إيران رفعت الكميات إلى نحو 3 ملايين برميل في منتصف فبراير الماضي (تحسبًا للهجوم الأمريكي)، كما تم تخزين احتياطي إضافي يبلغ 18 مليون برميل في الجزيرة.

وكان موقع ‘أكسيوس’ قد نقل عن مصادر رفيعة السبت الماضي، أن “الإدارة الأمريكية ناقشت إمكانية الاستيلاء على جزيرة ‘خرج’ الإيرانية باعتبارها أهم منافذ تصدير النفط الإيراني”. واعترف ‘مايكل روبين’ كبير مستشاري البنتاغون لشؤون إيران والعراق في إدارة جورج بوش بأنه ناقش الفكرة مع مسؤولين في البيت الأبيض، مُشيرًا إلى أنها قد تكون وسيلة لشلّ النظام الإيراني اقتصاديًا، قائلًا بالنص: “إذا لم يتمكنوا من بيع نفطهم، فلن يتمكنوا من دفع رواتب موظفيهم”. 

وبرغم تصاعد سيناريوهات “غزو” الجزيرة الاستراتيجية في الآونة الأخيرة على خلفية تصريحات وزير الحرب الأمريكي ‘بيت هيغسيث’ عن “عدم استبعاد مهاجمة إيران بقوات برية”، يرى خبراء عسكريون “عدم واقعية” تلك السيناريوهات من منطلق أن حجم جزيرة خرج وموقعها يتطلب حملة عسكرية واسعة النطاق وطويلة الأمد، تتجاوز نطاق عمليات القوات الخاصة، وهو “مالا يتوفر نظرا لعدم امتلاك الولايات المتحدة العدد الكافي من القوات البرية في المنطقة”، فضلا عن قرب الجزيرة من الساحل الإيراني “ما يجعلها في مدى الصواريخ العادية والمسيّرات”. 

وبخلاف الصعوبات “العسكرية”، تنصب معظم التحذيرات من مغبة محاولة احتلال ‘خرج’ أو تدميرها على “العواقب الاقتصادية الوخيمة”. فتستشهد ‘الغارديان’ بالباحث ‘نيل كويليام’ من مركز ‘تشاتام هاوس’ البريطاني الذي يحذّر من أن التوقف الكامل لصادرات النفط الخام الإيرانية نتيجة أي عمل عسكري في جزيرة ‘خرج’ قد يفضي إلى “اضطراب غير مسبوق في أسواق الطاقة العالمية، وربما يصل سعر برميل النفط إلى 150 دولار، فيواجه العالم وضعًا كارثيًا”.  

أما ‘لينيت نوسباخر’، ضابطة الاستخبارات العسكرية البريطانية السابقة، فتذكّر بأن “إسرائيل لم تهاجم الجزيرة خلال حرب الـ12 يوما في يونيو الماضي، لأن واشنطن تعلم أن إصلاح بنيتها التحتية المعقدة سيستغرق سنوات وأن إلحاق الضرر بعصب تصدير استراتيجي مثل ‘خرج’، سيتسبب في ارتفاع حاد في أسعار النفط لفترة زمنية طويلة ستضر حتما بالاقتصاد العالمي والأمريكي”. 

وفي مقابل عناوين بعض الصحف العبرية التي روّجت لفكرة أن الاستيلاء على الجزيرة الإيرانية الاستراتيجية قد يحسم المعركة نهائيا مع طهران، لم يغب عن بعض “العقلاء” أن ترمب ربما “يحمي” النفط الإيراني ليس فقط من قبيل الخوف من تداعيات ارتفاع الأسعار، وإنما لأنه “يحلم” بالسيطرة عليه وضمه إلى خريطة استثمارات الشركات الأمريكية .. عندما يسقط النظام بالحرب، أو “ينصاع” بالرعب كما حدث في فنزويلا ما بعد مادورو.

زر الذهاب إلى الأعلى