إبداعات عربيةعاجلمقالات

حرب الاستنزاف الكبرى

بقلم: معتز منصور – كاتب وباحث سياسي

ما يجري في المنطقة لم يعد سلسلة مواجهات متفرقة بين جبهات معزولة، بل يتشكل تدريجياً كصراع إقليمي واسع تتحرك فيه ساحات متعددة ضمن منطق واحد هو منطق الاستنزاف المتبادل. في مثل هذا النوع من الحروب لا يكون الهدف الحسم العسكري السريع، بل تحويل الزمن نفسه إلى سلاح، بحيث تتحول كل جبهة إلى أداة ضغط على القرار السياسي للطرف الآخر. هكذا تتداخل الجغرافيا العسكرية مع الجغرافيا الاقتصادية، وتصبح الموانئ وطرق الطاقة وقواعد الإمداد عناصر في المعركة بقدر ما هي الدبابات والطائرات.

التحولات الجارية في جنوب لبنان تعكس هذه القاعدة بوضوح. فالحديث المتكرر في الأوساط الإسرائيلية عن توسيع العمليات البرية شمال الحدود وصولاً إلى ما بعد نهر الليطاني يعيد إلى الذاكرة تجربة الاحتلال الطويل الذي بدأ عام 1982 وانتهى بالانسحاب عام 2000. هذه الذاكرة ليست مجرد حدث تاريخي، بل عنصر مؤثر في حسابات الحرب الحالية. أي عملية برية واسعة تعني عملياً إعادة فتح الجبهة اللبنانية بصيغة مختلفة، حيث يتحول الجنوب إلى ساحة استنزاف طويلة للجيش الإسرائيلي بدلاً من أن يكون مجرد منطقة عازلة مؤقتة.

المعضلة الأساسية في هذا السيناريو أن الحروب البرية الطويلة لا تُقاس فقط بالقدرة العسكرية المباشرة، بل بقدرة المجتمع والاقتصاد على تحملها. التجربة الإسرائيلية في لبنان خلال الثمانينيات والتسعينيات أظهرت أن السيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة الاستقرار الأمني، بل قد تتحول إلى عبء سياسي دائم. لهذا السبب يتردد كثير من صناع القرار في تل أبيب بين خيار الضربة المحدودة وخيار التوغل الواسع، لأن الفارق بينهما ليس تكتيكياً فقط، بل استراتيجياً أيضاً.

في المقابل يتضح أن منطق المواجهة لدى محور المقاومة يقوم على توسيع نطاق الضغط بحيث لا تبقى المعركة محصورة في الجبهة اللبنانية. هذا التحول يعكس فهماً مختلفاً لطبيعة الصراع. فبدلاً من الرد العسكري المباشر فقط، يجري استخدام عناصر أخرى في المعادلة مثل الاقتصاد وطرق الطاقة والممرات البحرية. هنا تظهر أهمية الخليج ومضيق هرمز، حيث يمر جزء كبير من تجارة النفط العالمية. مجرد التلويح بإغلاق هذا الممر البحري يكفي لإحداث ارتباك واسع في الأسواق العالمية، لأن الاقتصاد العالمي يعتمد بدرجة كبيرة على استقرار تدفق الطاقة عبر هذه المنطقة.

هذا الترابط بين الجبهات العسكرية والاقتصاد العالمي يفسر سبب تحول الموانئ والمنشآت النفطية إلى أهداف محتملة في أي تصعيد إقليمي واسع. فالحرب الحديثة لم تعد تدور فقط حول السيطرة على الأرض، بل حول القدرة على تعطيل الاقتصاد. لهذا السبب تتعامل القوى الكبرى بحذر شديد مع أي تهديد للملاحة في الخليج، لأن تأثيره لا يقتصر على المنطقة بل يمتد إلى الأسواق العالمية.

إلى جانب البعد الاقتصادي يبرز عامل آخر يحدد مسار الحرب، وهو الكلفة العسكرية المتراكمة. في الحروب التقليدية كانت الخسائر العسكرية تُقاس بعدد الجنود أو المعدات المدمرة. أما في الحروب الحديثة فالكلفة الحقيقية غالباً ما تكون مالية ولوجستية. تشغيل الأساطيل الجوية والبحرية ونقل القوات وإدامة العمليات لفترات طويلة يستهلك موارد ضخمة حتى بالنسبة للقوى الكبرى. لذلك تتحول الحرب تدريجياً إلى اختبار قدرة كل طرف على تحمل هذا العبء لفترة أطول.

الولايات المتحدة، باعتبارها القوة العسكرية الأكبر في المنطقة، تجد نفسها أمام معادلة معقدة. فمن جهة هي ملتزمة استراتيجياً بأمن إسرائيل واستقرار الممرات البحرية في الخليج، ومن جهة أخرى تدرك أن أي انزلاق إلى حرب إقليمية واسعة قد يفتح سلسلة من الجبهات المتزامنة يصعب ضبطها. هذا التوازن بين الردع وتجنب الانفجار الشامل هو ما يفسر السلوك الأميركي المتردد أحياناً، حيث تحاول واشنطن إدارة التصعيد من دون السماح له بالتحول إلى مواجهة واسعة.

في هذا السياق تكتسب الساحات الأخرى في المنطقة أهمية متزايدة. العراق، على سبيل المثال، يمثل عقدة لوجستية حساسة بسبب وجود قواعد عسكرية وممرات إمداد تربط الخليج ببلاد الشام. أي تصعيد هناك يمكن أن يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الصراع، لأن استهداف القواعد أو خطوط الإمداد قد يفرض على الولايات المتحدة إعادة توزيع قواتها ومواردها في المنطقة.

كل هذه العوامل تشير إلى أن الصراع يتجه تدريجياً نحو نموذج الحروب الطويلة، حيث لا يكون الحسم السريع ممكناً لأي طرف. في مثل هذه الحروب يصبح الزمن العامل الأكثر حسماً. كل يوم إضافي من العمليات يضيف تكلفة جديدة ويزيد الضغط على مراكز القرار السياسي. لهذا السبب غالباً ما تنتهي حروب الاستنزاف ليس بانتصار عسكري واضح، بل بتسويات سياسية تفرضها حدود القدرة على التحمل.

المشهد الإقليمي اليوم يقف عند هذه النقطة الحساسة. فكل طرف يحاول اختبار حدود خصمه من دون الذهاب إلى المواجهة الشاملة. لكن المشكلة في هذا النوع من التوازنات أنها هشة بطبيعتها. حادث واحد كبير أو عملية عسكرية تتجاوز الخطوط غير المعلنة قد يدفع الصراع فجأة إلى مستوى مختلف تماماً.

لهذا يمكن القول إن المنطقة تدخل مرحلة جديدة من الصراع، مرحلة تختلط فيها المعارك العسكرية بالضغوط الاقتصادية والسياسية. إنها حرب تدور في الوقت نفسه على الأرض وفي البحر وفي الأسواق العالمية. وفي مثل هذه الحروب لا يكون السؤال من يطلق الصاروخ الأخير، بل من يستطيع الاستمرار أطول.

زر الذهاب إلى الأعلى