إبداعات عربيةالعرب وافريقياعاجل

السودان بين مسار التفكّك وتحديات إعادة بناء الدولة

المحرر السياسى 

يشهد السودان مسارًا معقّدًا من تفكّك الدولة، تراكمت جذوره عبر قرنين من الزمن، لكنه بلغ ذروة غير مسبوقة مع اندلاع الحرب في نيسان/أبريل 2023، التي أعادت طرح سؤال جوهري: هل ما يجري هو نتيجة طبيعية لمسار طويل من التآكل البنيوي، أم أنّ الحرب نفسها تحوّلت إلى عامل تسريع لانهيار الدولة؟

منذ دخول الحكم التركي-المصري عام 1821، ظلّ السودان يعاني من إشكاليات في بناء سلطة مركزية مستقرة، حيث تعاقبت أنماط حكم مختلفة دون أن تنجح في ترسيخ مؤسسات قوية قادرة على إدارة التنوع الإثني والمناطقي الواسع. ومع الاستقلال في عام 1956، ورثت الدولة بنية هشة، سرعان ما دخلت في دوامات من الانقلابات العسكرية والصراعات الداخلية.

خلال العقود اللاحقة، تصاعدت الحروب الأهلية، لا سيما في الجنوب قبل انفصاله عام 2011، وفي دارفور ومناطق أخرى، ما أدى إلى استنزاف الموارد وتقويض قدرة الدولة على فرض سيادتها. ومع تزايد الانقسامات داخل النخب السياسية والعسكرية، تحوّل الصراع من تنافس سياسي إلى صراع مسلح مفتوح على السلطة.

الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع شكّلت نقطة تحوّل مفصلية، إذ لم تقتصر تداعياتها على الدمار الإنساني والاقتصادي، بل عمّقت حالة التفكك المؤسسي. فقد تراجع احتكار الدولة لوسائل العنف المشروع، وتوزعت السيطرة على الأرض بين قوى مسلحة متعددة، لكل منها شبكاتها المحلية ومصادر تمويلها.

في الوقت ذاته، برزت الأهمية الجيوستراتيجية للسودان، خاصة في ظل التنافس الدولي والإقليمي على منطقة البحر الأحمر، ما أضاف بُعدًا خارجيًا معقدًا للصراع الداخلي. وأسهمت هذه التدخلات، المباشرة وغير المباشرة، في إطالة أمد النزاع وتعقيد فرص التسوية.

كما تعاني الدولة من تآكل في شرعيتها، نتيجة ضعف المؤسسات، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وفقدان الثقة الشعبية في النخب الحاكمة. وتفاقمت هذه الأزمة مع ضغوط العولمة والتحولات الاقتصادية، التي أضعفت قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية.

اليوم، يبدو السودان أمام نموذج “تفكّك هجين”، حيث لا تزال الحكومة المركزية تحظى باعتراف دولي، في حين تتوزع السلطة الفعلية على الأرض بين فاعلين محليين مسلحين. هذا الوضع يطرح تحديات كبيرة أمام أي مسار لإعادة بناء الدولة، في ظل غياب توافق وطني شامل واستمرار الصراع المسلح.

في المحصلة، يكشف المشهد السوداني أنّ تفكّك الدولة ليس حدثًا مفاجئًا، بل عملية تاريخية مركّبة، تتداخل فيها العوامل الداخلية والخارجية. وبينما تفسّر النماذج النظرية جوانب مهمة من هذه الحالة، فإن الواقع يفرض الحاجة إلى مقاربات جديدة تأخذ في الاعتبار أنماطًا معاصرة من السيادة المتعددة والتفكّك المُدار، التي باتت سمة بارزة في عدد من الدول الهشّة.

زر الذهاب إلى الأعلى