بين الدين والسياسة… لماذا يتضخم الخلاف المذهبي في عالمنا العربي؟

بقلم: سامح عسكر
في خضم التوترات التي تشهدها المنطقة، يتكرر خطاب حاد يختزل مجتمعات كاملة في توصيفات مذهبية متناقضة، ويحمّلها أحكامًا قاطعة تصل أحيانًا إلى التكفير أو التخوين. ويبرز هذا بوضوح عند الحديث عن مصر وعلاقتها ببعض التيارات الدينية في الخليج، حيث يتحول النقاش من اختلاف فكري إلى صراع هوياتي واسع.
الحقيقة أن مصر، عبر تاريخها الطويل، لم تكن يومًا كيانًا أحاديًا مغلقًا، بل تشكّلت هويتها الدينية من تنوع واضح: في العقيدة، يغلب عليها الطابع الأشعري، وفي الفقه تتعدد المذاهب بين الشافعي والحنفي والمالكي، وفي السلوك الديني تحضر الطرق الصوفية كجزء أصيل من التدين الشعبي. هذا التنوع لم يكن مصدر ضعف، بل كان أحد أسباب الاستقرار النسبي في البنية الدينية للمجتمع.
في المقابل، ظهرت في الجزيرة العربية مدارس فكرية أكثر ميلاً إلى التشدد في قضايا العقيدة، خصوصًا في مسألة “تنقية التوحيد” ومحاربة ما تعتبره بدعًا. ومع مرور الزمن، وبفعل التحولات السياسية وصعود دول بعينها، اكتسب هذا الخطاب انتشارًا أوسع وتأثيرًا أكبر، خاصة مع الإمكانيات الإعلامية والمالية الضخمة.
لكن الإشكالية الحقيقية لم تكن يومًا في وجود اختلاف مذهبي، بل في طريقة إدارة هذا الاختلاف. حين يتحول الخلاف الفقهي أو العقدي إلى أداة إقصاء، يصبح الدين نفسه ساحة صراع. وهنا تبدأ دائرة الاتهامات المتبادلة: هذا يصف ذاك بالابتداع، وذاك يرد باتهامات التجسيم أو التشدد، لتضيع المساحة المشتركة بين الجميع.
اللافت أن هذا التوتر لا يمكن فهمه بمعزل عن السياسة. فالتاريخ يخبرنا أن كثيرًا من النزاعات التي تبدو دينية في ظاهرها، كانت في جوهرها مرتبطة بصراع نفوذ أو مشروع دولة. ومع الوقت، يُعاد تغليف هذه الصراعات بخطاب عقائدي يمنحها شرعية ويجعلها أكثر قابلية للانتشار بين الناس.
كما أن وسائل الإعلام الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي لعبت دورًا في تضخيم هذا الانقسام، حيث تنتشر الآراء الأكثر حدة بسرعة أكبر، بينما تغيب الأصوات المعتدلة التي تدعو للفهم والتقريب. وهكذا، يجد الشباب أنفسهم أمام صورة مشوهة: عالم منقسم بين “حق مطلق” و“باطل مطلق”، دون مساحة للنقاش أو الفهم.
ومع ذلك، من المهم التأكيد أن تعميم الأحكام على شعوب أو دول بأكملها يظل خطأ كبيرًا. فلا كل المصريين على نمط واحد، ولا كل الخليجيين يتبنون نفس الرؤية، بل داخل كل مجتمع طيف واسع من الاتجاهات، من الأكثر انفتاحًا إلى الأكثر تشددًا.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نترك الخلاف المذهبي يتحول إلى قطيعة وصراع دائم، أم نحاول إدارته بعقلانية؟
الطريق الأول يقود إلى مزيد من الانقسام، وربما العنف. أما الطريق الثاني، فيمر عبر الاعتراف بالتنوع، ورفض التكفير، وتغليب فكرة التعايش.
إن العالم العربي اليوم في أمسّ الحاجة إلى خطاب يهدئ لا يؤجج، ويقرّب لا يفرّق. فالتحديات التي تواجهه أكبر بكثير من أن تُستهلك طاقاته في صراعات داخلية، أصلها في كثير من الأحيان سياسي، وإن لبست ثوب الدين.
