إبداعات عربيةعاجلمقالات

سياسة بلا عائد… وتآكل الهيبة الأمريكية

بقلم: أرنست وليم

منذ عودة إلى البيت الأبيض، لم يعد المشهد السياسي الأمريكي كما كان، ولا حتى كما توقعه أكثر منتقديه تشاؤمًا. نحن أمام إدارة لا تكتفي بإثارة الجدل، بل تؤسس لنمط حكم يقوم على الصدام كبديل عن الدبلوماسية، وعلى الضغط كأداة وحيدة لإدارة عالم شديد التعقيد.

المفارقة التي تفرض نفسها اليوم، أن هذه السياسات، رغم ضجيجها، تبدو محدودة العائد. بل إن كلفتها—السياسية والاقتصادية—تتجاوز بكثير ما تحققه من مكاسب. في الاقتصاد، أعاد ترامب إحياء سلاح التعريفات الجمركية، خصوصًا في مواجهة الصين، باعتباره أداة لإعادة التوازن. لكن النتيجة لم تكن سوى نقل عبء المواجهة إلى الداخل الأمريكي، حيث دفع المستهلك والشركات الثمن في صورة ارتفاع الأسعار واضطراب الأسواق، بينما بقيت المكاسب أقل بكثير من التوقعات.

الأخطر من ذلك، ليس فقط في الأرقام، بل في اللغة. إذ شهد الخطاب السياسي تراجعًا غير مسبوق في معايير الدبلوماسية، لتحل محلها لغة خشنة، أقرب إلى الاستعراض منها إلى إدارة المصالح. وهذا التحول لم يمر دون أثر؛ فقد انعكس سلبًا على صورة الولايات المتحدة، وأضعف قدرتها على الإقناع، وهي إحدى أهم أدوات قوتها التاريخية.

في السياسة الخارجية، تتكرر الإشكالية ذاتها: استخدام للقوة دون وضوح في الأهداف، أو تصور لنهاية الصراعات. إدارة انتقدت الحروب سابقًا، لكنها تجد نفسها تمارسها—أو تقترب منها—دون أن تقدم بدائل استراتيجية حقيقية. النتيجة: استنزاف مالي متزايد، وديون متصاعدة، وضغوط اقتصادية يتحملها المواطن الأمريكي في نهاية المطاف.

أما الحلفاء، فقد كانوا من أبرز المتضررين. دول لطالما شكلت العمود الفقري للنظام الغربي، باتت تتعامل مع واشنطن بحذر غير مسبوق. الثقة التي بُنيت عبر عقود بدأت تتآكل، لتحل محلها تساؤلات جدية حول جدوى الاعتماد على الولايات المتحدة كشريك استراتيجي ثابت.

وفي المجال العسكري، لم تعد الهيبة الأمريكية بمنأى عن التحدي. فالحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بحجم القوة النارية، بل بمدى القدرة على تحمل الكلفة، وإدارة الزمن، والتعامل مع تداعيات الصراع على الاقتصاد والمجتمع. ومع اتساع رقعة المواجهات غير المباشرة، تتحول حتى أكثر الأنظمة تطورًا إلى أدوات اختبار في ساحات مفتوحة، تكشف حدود القوة بقدر ما تُظهر إمكاناتها.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هذا المشهد يخلق فرصًا لخصوم الولايات المتحدة. فكل تراجع في التماسك الغربي، وكل ارتباك في القرار الأمريكي، يفتح المجال أمام قوى أخرى لإعادة ترتيب مواقعها وتعزيز نفوذها. ليس لأن هذه القوى انتصرت بالضرورة، بل لأن الفراغ أُتيح لها.

الخلاصة التي يصعب إنكارها، أن الفجوة بين الوعود والنتائج تتسع. اقتصاد لم يحقق القفزة الموعودة، حروب لم تنتهِ، وهيبة دولية لم تعد كما كانت. وفي قلب كل ذلك، يقف سؤال أكبر: هل ما نشهده هو مجرد مرحلة عابرة، أم بداية لتحول أعمق في موقع الولايات المتحدة ودورها في العالم؟

ربما يكون القلق الأكبر، ليس مما حدث بالفعل، بل مما قد يأتي لاحقًا. فحين تُدار القوة بلا رؤية، وتُستبدل الاستراتيجيات بالاندفاع، يصبح المستقبل مفتوحًا على احتمالات يصعب التنبؤ بها—وأصعب من ذلك، احتواؤها.

زر الذهاب إلى الأعلى