أخبارالهلال الخصيبعاجلنحن والغرب

معضلة هرمز بين “ألاعيب” ترمب .. و”بدائل” النتنياهو

كتب: هانى الكنيسى 

في وقت فراغه بين إسهال التصريحات الإعلامية، أخرج ترمب منشورا على منصته ‘تروث سوشيال’ يحث فيه الدول (دون تحديد أي منها) على “التوجه إلى مضيق هرمز والسيطرة عليه”!.

ليست هذه المرة الأولى التي يلقي بها البرتقالي المضطرب بالكرة في حِجر الآخرين للقيام بالمهمة العسكرية التي تبدو مستحيلة -لأسباب موضّحة في الجزء الأخير من البوست- لأنه سبق وأن طالب الأوروبيين (الأوغاد الذين تخلوا عن بلاده في محنتها، كما يردد باستمرار) بالتدخل لانتزاع السيادة من إيران على المعبر المسؤول عن مرور خُمس شحنات النفط العالمية (فضلا عن ناقلات الغذاء والأسمدة والمواد الأساسية لبعض الصناعات)، باعتبار أن إغلاق المضيق الحيوي لا يضير الولايات المتحدة بقدر ما هو مشكلة يجب على “الدول التي تستخدمه” حلها. 

لكن المفارقة كانت في التوقيت .. لأن تغريدة ترمب جاءت بعد سويعات قليلة من التقرير الذي نشرته صباح اليوم صحيفة ‘وول ستريت جورنال’ -نقلًا عن مسؤولين كبار في إدارته- والذي يفيد بأن الرئيس الأمريكي أبلغ مساعديه بأنه “مستعد لإنهاء الحرب على إيران، حتى لو بقي مضيق هرمز مغلقًا”. 

وذكرت الصحيفة الأمريكية أن ترمب ومساعديه “خلصوا في الأيام الأخيرة إلى أن مهمة فتح المضيق بالقوة ستدفع النزاع إلى ما يتجاوز الجدول الزمني الذي حدده (من أربعة إلى ستة أسابيع)”. وبناءً على ذلك، قررت واشنطن التركيز على تحقيق أهدافها الرئيسية “المتمثلة في إضعاف البحرية الإيرانية ومخزوناتها الصاروخية، ثم تخفيض حدة القتال الحالي مع مواصلة الضغط الدبلوماسي على طهران لاستئناف التدفق الحر للتجارة”. 

وما بين تغريدته الأخيرة التي تطالب “الدول” بالسيطرة على هرمز وتصريحاته المتضاربة بدايةً بالتهديد قبل أسبوع بقصف مراكز الطاقة المدنية في إيران إذا لم يُعاد فتح المضيق بحلول موعد Deadline مدّده بنفسه أكثر من مرة وليس انتهاءً 

باستعداده لوقف “الغضب الملحمي” بغض النظر عن استمرار إغلاقه (وفق رواية ‘وول ستريت جورنال’)، بدت البوصلة الترمبية تائهة ومرتبكة إزاء التعامل مع ورقة الضغط “الذهبية” التي لجأت إليها طهران كسلاح ردع “تدويلي” في مواجهة آلة عسكرية أمريكية كاسحة وشهوة إسرائيلية جامحة لتركيعها.  

وهنا انبرى ربيب ترمب المدلل وشريك جرائمه مقترحًا حلًا “استراتيجيًا” يتجاوز معضلة هرمز ويسحب البساط من تحت أقدام “حارسته” إيران إلى الأبد. إذ كشف.

النتنياهو في مقابلة مع شبكة ‘نيوزماكس’ الأمريكية الليلة الماضية أن إسرائيل وحلفاءها يدرسون “خطوة جيوسياسية ضخمة” تهدف إلى تأسيس ممر طاقة ضخم ومباشر من دول الخليج إلى موانئ البحر الأبيض المتوسط كبديل لمضيق هرمز، واصفًا تلك الخطوة بأنها “أولوية عالمية ملحة لضمان تدفق النفط والغاز بحرية “، ومضيفاً أن “إنشاء مثل هذا الجسر البري سيغير جذرياً ديناميكيات التجارة في الشرق الأوسط، وسيقوّض النفوذ الجيوسياسي الذي تستغله إيران نتيجة تحكّمها في مضيق هرمز”!. *طبعا الممر مرهون بتعميم الاتفاقات الإبراهيمية في المنطقة.

وبغض النظر عن مدى “واقعية” مقترح ‘بيبي’ أو ما يتطلبه عمليًا من وقت ولوجستيات وأموال (سيتحمّلها طبعا الخليج النفطي، وتكتفي إسرائيل بجني العوائد والرسوم)، فقد استوقفني تحليل “منطقي” اعتمدت فيه مجلة The Conversation البريطانية على خبيرة العسكرية البحرية ‘جينيفر باركر’ للإجابة على السؤال المتداول: ” لماذا لم يستخدم الجيش الأمريكي القوة في مضيق هرمز؟”. 

إذ ترى ‘باركر’ أن تأمين المضيق عسكريًا ليس مهمة سهلة بالمرة لأن الجغرافيا تمنح إيران أفضلية السيطرة على السواحل الشمالية للخليج ومضيق هرمز وخليج عُمان، ما يتيح لها استخدام أدوات منخفضة التكلفة مثل الطائرات المسيّرة لاستهداف السفن العابرة وتعطيل الملاحة. 

وتفسّر الخبيرة التي خدمت أكثر من 20 عاما في البحرية الملكية الأسترالية إحجام واشنطن عن تأمين المضيق بأربعة أسباب رئيسية: أولها، أن العملية ستستنزف موارد عسكرية هائلة ومطلوبة لجبهات أخرى. ثانيها، أن تأمين الملاحة يتطلب السيطرة على اليابسة أيضًا، ما قد يستدعي عمليات برية (إنزال ثم احتلال) محفوفة بالمخاطر. ثالثها، الحاجة إلى عدد كبير من السفن الحربية لمرافقة ناقلات النفط “بفرض السيطرة على المضيق”، وهي رفاهية لا تملكها الولايات المتحدة في ظل إحجام حلفائها في الناتو عن المشاركة. أما السبب الرابع، فهو المخاطرة العالية بأرواح الجنود، في ظل قدرة إيران على استهداف السفن بزوارق وطائرات مسيّرة وصواريخ تُطلق من مواقع متعددة ومتنقلة يصعب رصدها رغم القدرات الاستطلاعية والاستخباراتية المتقدمة لدى الجيش الأمريكي. 

وفيما يتعلق بالألغام البحرية، تؤكد ‘باركر’ أن إيران قد لا تحتاج فعليًا إلى زرعها؛ إذ يكفي “التلويح باستخدامها” لشل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ناهيك عن أن إزالتها -إن كانت مزروعة فعلًا- تتطلب عمليات معقدة قد تستغرق شهورًا .. ما يكفي لتوريط العالم كله في أزمة طاقة لا مخرج منها.

زر الذهاب إلى الأعلى