الهلال الخصيبعاجلمقالات

العراق على أعتاب لحظة الحسم: هل يطوي صفحة الوجود الأمريكي؟

بقلم: مصطفى السعيد

ما يجري في العراق اليوم لا يمكن قراءته باعتباره مجرد إعادة تموضع عسكري روتيني، بل هو أقرب إلى لحظة مفصلية تعكس تحولات عميقة في شكل الصراع داخل البلاد وعلى امتداد الإقليم. انسحاب القوات الأمريكية من معظم قواعدها، وإعادة تمركزها في قاعدة الحرير بإقليم كردستان، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل نحن أمام بداية نهاية الوجود الأمريكي في العراق، أم مجرد تغيير في تكتيكات البقاء؟

المشهد، في جوهره، يكشف عن ارتباك أمريكي واضح. تدمير الأسلحة والبيانات قبل الانسحاب من بعض المواقع، بالتوازي مع شن ضربات على أهداف داخل العراق، يعكس حالة من التناقض بين الرغبة في تقليص الانخراط العسكري، وبين محاولة فرض واقع ميداني بالقوة. هذه الازدواجية لا تشير إلى استراتيجية متماسكة بقدر ما تعكس ضغوطًا متزايدة تتعرض لها واشنطن، سواء من الداخل العراقي أو من محيط إقليمي بات أكثر جرأة في استهداف نفوذها.

اللافت أكثر هو التحول في الموقف الرسمي العراقي. بيان وزارة الدفاع الذي منح “الحشد الشعبي” حق الرد، يمثل سابقة تحمل دلالات سياسية وعسكرية مهمة. فالدولة، التي كانت تحاول سابقًا ضبط إيقاع العلاقة بين مختلف القوى المسلحة، تبدو الآن أقرب إلى تبني موقف أكثر صدامية، أو على الأقل أقل تحفظًا تجاه مواجهة محتملة مع القوات الأمريكية.

في السياق السياسي، تتصاعد الدعوات داخل البرلمان لإعادة النظر في الاتفاقية الأمنية مع واشنطن، بل والمطالبة الصريحة بإنهاء الوجود الأمريكي. هذه التحركات تعكس مزاجًا عامًا يتجه نحو استعادة السيادة الكاملة، مدفوعًا بتراكمات سنوات من التدخلات الخارجية، إضافة إلى شعور متزايد بأن بقاء القوات الأمريكية لم يعد مبررًا بنفس القوة التي فرضت وجودها في السابق تحت عنوان محاربة الإرهاب.

لكن الصورة لا تكتمل دون النظر إلى البعد الإقليمي. تركيز الولايات المتحدة على إقليم كردستان ليس تفصيلًا عابرًا، بل يعكس محاولة للحفاظ على موطئ قدم استراتيجي في منطقة أكثر استقرارًا نسبيًا، وقريبة من بؤر التوتر الكبرى. غير أن هذه الاستراتيجية تحمل في طياتها مخاطر إضافية، إذ قد تعمّق الانقسامات الداخلية، وتفتح الباب أمام صراعات جديدة بالوكالة.

في المقابل، فإن الضغوط التي تتعرض لها القواعد الأمريكية في المنطقة، سواء في العراق أو في دول مجاورة، تشير إلى أن البيئة الاستراتيجية لم تعد مواتية كما كانت. تعدد الجبهات، وتصاعد قدرات الخصوم، وتراجع هامش المناورة، كلها عوامل تجعل من استمرار الوجود الأمريكي عبئًا أكثر منه أداة نفوذ فعالة.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن: هل العراق قادر على ملء الفراغ في حال انسحاب أمريكي كامل؟ الإجابة ليست بسيطة. فبين تحديات الأمن الداخلي، وتعقيدات التوازنات السياسية، وتداخل المصالح الإقليمية، يظل المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة، بعضها قد يكون أكثر اضطرابًا من الواقع الحالي.

في النهاية، يبدو أن العراق يقف أمام فرصة تاريخية، لكنها محفوفة بالمخاطر. التخلص من الوجود الأجنبي هدف مشروع، لكن تحقيقه يتطلب رؤية وطنية موحدة، وقدرة حقيقية على إدارة مرحلة ما بعد الانسحاب. دون ذلك، قد يتحول “التحرر” إلى فصل جديد من عدم الاستقرار، وهو ما لا يحتمله بلد أنهكته الصراعات لعقود.

زر الذهاب إلى الأعلى