أخبارعاجلمتنوعات

كيف يُعاد تشكيل الديموغرافيا في الضفة الغربية بالعنف “الجنسي”؟

كتب: هانى الكنيسى 
التقرير الذي نشرته ‘الغارديان’ The Guardian اليوم (الثلاثاء) يكشف جانبًا جديدًا من وحشية الاحتلال واستخدام العنف الممنهج للاستيلاء على المزيد ن الأرض الفلسطينية ليس فقط بالغزو العسكري أو بالتهجير القسري والتوسع الاستيطاني ودعم الهجمات اليومية للمستوطنين المتطرفين على القرى الفلسطينية، بل أيضا عبر الاعتداء الجنسي على النساء والرجال والتحرش بهم، كأداة لدفع الفلسطينيين إلى التخلي عن أراضيهم ومغادرة منازلهم في الضفة الغربية المحتلة.
تقرير الصحيفة البريطانية المرموقة يؤكد أن “الانتهاكات الإسرائيلية ليست فردية، بل نمط متكرر وسياسة ممنهجة”، ويستند في ذلك إلى دراسة ميدانية حديثة بعنوان “العنف الجنسي والتهجير القسري في الضفة الغربية”، أجراها “تحالف حماية الضفة الغربية” WBPC (شراكة بين جهات مانحة دولية ومنظمات غير حكومية بدعم من الاتحاد الأوروبي، لدعم الفلسطينيين في الضفة الغربية، ولا سيما في “المنطقة ج” وشرق القدس).
استند التقرير إلى 83 مقابلة مع فلسطينيين في أنحاء الضفة الغربية، شملت: نازحين قسرًا، نساء وفتيات، نشطاء وقادة مجتمعيين. ورغم أن الدراسة لا تدّعي تمثيلًا إحصائيًا كاملاً، فإنها ترسم صورة متماسكة لنمط “العنف الممنهج” الذي يُستخدم كوسيلة “لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي في الأراضي الفلسطينية المحتلة”.
وفي هذا السياق، وثّق التحالف 16 حالة عنف جنسي خلال السنوات الثلاث الماضية، وهو رقم “يُرجّح أنه أقل بكثير من الواقع، بسبب الوصمة الاجتماعية التي تمنع الضحايا من التبليغ” حسب استنتاجات القائمين على الدراسة.
ووفق شهادات الضحايا، فإن تلك الانتهاكات لا تقع فقط في الشوارع أو نقاط التفتيش، بل تمتد إلى داخل البيوت.
نساء ورجال وأطفال تحدثوا عن: إجبارهم على التعري، والتعرض لتفتيش جسدي مهين ومؤلم، وتهديدات بالعنف الجنسي، فضلا عن ممارسات إذلال، مثل التبول عليهم أو تصويرهم عراة.
في إحدى الحالات، اقتحمت جنديتان إسرائيليتان منزل امرأة فلسطينية برفقة مستوطنين، وأُجبرت على الخضوع لتفتيش داخلي مهين حيث “أُمرت بفتح ساقيها بطريقة مؤلمة… وتعرضت لتعليقات مهينة ولمس مناطق حساسة من جسدها”.
الرجال أيضًا لم يكونوا بمنأى عن هذه الانتهاكات. ففي واقعة حديثة، جرّد مستوطنون قصي أبو الكباش (29 عامًا) من ملابسه في قرية ‘خربة حمصة’، وقيدوا أعضاءه التناسلية وضربوه أمام سكان القرية.
وفي أكتوبر 2023، تعرّض العديد من الرجال الفلسطينيين في “وادي السيق” (تجمع بدوي فلسطيني في سفوح جبال رام الله) لاعتداءات جماعية، شملت: تجريدهم من الملابس، تقييدهم وضربهم، التبول عليهم، تصويرهم ونشر الصور، ومحاولة اغتصاب أحدهم بمقبض مكنسة!!
وبخلاف الآثار النفسية لتلك السياسات، فإن التأثير الأعمق لهذا النوع من الاعتداءات الإسرائيلية الممنهج -وفقا لتقرير ‘الغارديان’ ظهر في “النسيج الاجتماعي”. فالعنف الجنسي ضد المدنيين الفلسطينيين “لم يكتفِ بإذلال الأفراد، بل أعاد تشكيل الحياة اليومية في العديد من مناطق الضفة الغربية”. وتمثّلت ملامح ذلك التحول في: أعداد الفتيات اللائي تركن المدارس خوفًا من التحرش، والنساء اللاتي فقدن وظائفهن. وبالإضافة إلى ذلك، برز ارتفاع ملحوظ في الزواج المبكر. إذ يذكر التقرير أن ست عائلات على الأقل اضطرت لتزويج فتيات تتراوح أعمارهن بين 15 و17 عامًا، كوسيلة “حماية” يائسة.
وعن ذلك، تقول ‘كفايا خريم’ من مركز WCLAC في رام الله: “الفتيات لا يذهبن إلى المدارس… ونشهد زيجات قسرية مبكرة… الآباء يحاولون حمايتهن بإرسالهن خارج المنطقة”.
وبالتوازي، تؤكد ‘ميلينا أنصاري’ من منظمة “أطباء لحقوق الإنسان – إسرائيل” PHRI (مقرها في يافا) أن ما يحدث في الضفة الغربية لا يمكن فصله عن سياق أوسع لاستراتيجية تلقى رواجا متناميا في العقلية الإسرائيلية، فتقول: “هناك ثقافة عامة باتت تتقبل الاعتداءات الجنسية على الفلسطينيين”. وتدلل على صحة ملاحظتها، بأن إسقاط التهم في قضايا موثقة، مثل قضية اغتصاب المعتقلين الفلسطينيين في سجن ‘سديه تيمان’، يرسل “ضوءًا أخضر فعليًا لاستخدام العنف الجنسي”.
بل إن مناقشة هذه الاستراتيجية وصل -وفق التقرير- إلى أروقة الكنيست، حيث
“دار نقاش في الكنيست حول ما إذا كان اغتصاب الفلسطينيين أمراً مقبولاً أم لا”. “حتى رئيس الوزراء (النتنياهو) لم يقل إن إسرائيل تعارض اغتصاب المعتقلين”!!.
وبالطبع، لا يمكن عزل كل ذلك عن السياق الأوسع لعمليات التوسع الاستيطاني “الرسمي” المتسارع في الضفة الغربية ومحيط القدس، حيث تُقام بؤر استيطانية جديدة–كل يوم تقريبا- بقرارات حكومية تعززها أحكام قضائية. ولا عن أساليب التهجير القسري “غير الرسمي” للسكان الفلسطينيين، تحت “مظلة حماية” من الجيش الإسرائيلي الذي اتهمته تقارير الأمم المتحدة، بالتواطؤ أو التقاعس في صد هجمات المستوطنين المتصاعدة “بوتيرة منتظمة منذ عام 2023” على الفلسطينيين في أنحاء الضفة الغربية.
وتختم ‘الغارديان’ تقريرها (المؤلم) بالتذكير بتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ‘إيهود أولمرت’ في مقابلة خاصة مع مراسلها تعقيبًا على تقاعس إسرائيل عن مقاضاة المستوطنين المعتدين في الضفة الغربية، حين دعا هو شخصيًا المحكمة الجنائية الدولية للتدخل لإنقاذ الفلسطينيين من “الإرهابيين اليهود”.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى