أخبارإبداعات عربيةالشرق قادمالهلال الخصيبمقالات

أول صفعة دبلوماسية لإدارة ترامب؟

بقلم: سامح عسكر

إذا صحت التقارير المتداولة حول الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة قبل الدخول في أي مسار تفاوضي شامل، فإننا نكون أمام تطور سياسي يستحق التوقف عنده طويلًا. فإيران كانت تكرر منذ سنوات أن أي مفاوضات جادة يجب أن تسبقها خطوات عملية تثبت حسن النوايا، لا مجرد وعود أو تصريحات إعلامية.

التسريبات الأخيرة تتحدث عن تحركات مالية مرتبطة بأموال إيرانية مجمدة في دول الخليج، وعن تفاهمات غير معلنة تهدف إلى خفض التوتر الإقليمي وتهيئة المناخ لأي تسوية سياسية محتملة. وإذا كان جزء من هذه المعلومات صحيحًا، فإن ذلك يعني أن واشنطن اضطرت إلى تقديم تنازلات أولية قبل الوصول إلى طاولة التفاوض النهائية، وهو ما يمكن اعتباره أول نجاح دبلوماسي لإيران في هذه الجولة من الصراع.

الأمر اللافت هنا لا يتعلق بالأموال وحدها، بل بالدور الذي يبدو أن بعض العواصم الخليجية باتت تلعبه في إدارة الأزمة. فكلما ارتفعت كلفة المواجهة العسكرية على المنطقة، ازدادت مصلحة دول الخليج في دفع جميع الأطراف نحو التهدئة. ومن ثم فإن الوساطات والتحركات الهادئة خلف الأبواب المغلقة قد تكون أكثر تأثيرًا من التصريحات العلنية التي تتصدر وسائل الإعلام.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم التحولات الأخيرة باعتبارها تعبيرًا عن رغبة إقليمية واسعة في منع انفجار مواجهة أكبر، خاصة أن أي حرب مفتوحة لن تقتصر آثارها على طرفي النزاع، بل ستمتد إلى الاقتصاد العالمي وأسواق الطاقة وأمن الملاحة في المنطقة بأكملها.

لكن السؤال الأهم يبقى: هل ستسير الأمور بالفعل نحو التهدئة؟

هنا تظهر المعضلة الحقيقية. فهناك أطراف ترى أن أي تقارب أمريكي ـ إيراني، أو أي تفاهم يؤدي إلى تجميد الصراع، قد لا يخدم مصالحها السياسية أو الاستراتيجية. ولهذا يبقى احتمال ظهور أزمات جانبية أو جبهات جديدة قائمًا في أي لحظة، سواء في لبنان أو غيره من ساحات التوتر الإقليمي.

التاريخ القريب للمنطقة يؤكد أن الاتفاقات الكبرى كثيرًا ما تعثرت بسبب أحداث ميدانية مفاجئة أعادت الجميع إلى نقطة الصفر. ولذلك فإن نجاح أي مسار تفاوضي لن يتوقف فقط على التفاهم بين واشنطن وطهران، بل أيضًا على قدرة الأطراف المختلفة على منع التصعيد واحتواء الاستفزازات التي قد تدفع المنطقة مجددًا إلى دوامة المواجهة.

في النهاية، يبدو أن الشرق الأوسط يقف مرة أخرى أمام مفترق طرق واضح: إما السير نحو تسويات تدريجية تفرضها المصالح الاقتصادية والأمنية المشتركة، أو العودة إلى منطق الصدام الذي أثبت مرارًا أنه لا ينتج سوى المزيد من الأزمات والخسائر للجميع.

 

 

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى