إسرائيل وورقة جنوب لبنان.. محاولة لابتزاز إيران؟

بقلم : سامح عسكر
لا يمكن النظر إلى ما يجري في جنوب لبنان باعتباره تحركًا عسكريًا معزولًا أو مجرد إجراء أمني إسرائيلي، بل يبدو جزءًا من استراتيجية تفاوضية أوسع ترتبط مباشرة بالملف الإيراني.
الفكرة الأساسية التي أراها واضحة هي وجود توافق بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على السماح للجيش الإسرائيلي بالتقدم وفرض وقائع ميدانية جديدة في جنوب لبنان، بحيث تتحول هذه الأراضي لاحقًا إلى ورقة مساومة على طاولة المفاوضات مع طهران.
وفق هذا التصور، فإن إسرائيل لا تسعى إلى الاحتفاظ بالأرض لذاتها بقدر ما تسعى إلى استخدامها كورقة ضغط للحصول على تنازلات إيرانية في ملفات تعتبرها جوهرية، وفي مقدمتها حق التخصيب النووي السلمي، والبرنامج الصاروخي الإيراني، ودعم محور المقاومة في المنطقة.
هذه هي الملفات التي يحتاج نتنياهو إلى تحقيق تقدم فيها حتى يتمكن من إقناع الرأي العام الإسرائيلي بأنه خرج من المواجهة منتصرًا، وأنه نجح في تحقيق مستوى أعلى من الأمن لإسرائيل. لذلك فإن أي مكسب تفاوضي في هذه القضايا سيكون بالنسبة له أكثر أهمية من المكاسب العسكرية المباشرة.
في المقابل، يبدو أن ترامب يحاول إدارة التوازنات المعقدة داخل الولايات المتحدة. فمن جهة يسعى إلى تخفيف الضغوط التي يمارسها اللوبي الصهيوني، ومن جهة أخرى يدرك أن الشارع الأمريكي لا يرغب في الانجرار إلى صراعات مفتوحة جديدة. ولهذا السبب أبدى قدرًا من المرونة تجاه البرنامج الصاروخي الإيراني، لكن هذه المرونة لم تكن كافية لإرضاء إسرائيل التي ما زالت متمسكة باستخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط إضافية في المفاوضات.
ومن هنا تكتسب التهديدات الإيرانية بإغلاق مضيق هرمز أو توجيه ضربات لإسرائيل أهمية خاصة. فهذه التهديدات لا تمثل مجرد رسائل ردع عسكرية، بل تعمل أيضًا على تعطيل فكرة الابتزاز السياسي نفسها، لأنها تجعل أي محاولة للضغط على إيران عبر لبنان مكلفة على مستوى المنطقة بأسرها.
والنتيجة أن إيران تواصل ترسيخ معادلة الربط بين أمنها القومي وأمن لبنان، ليس فقط على المستوى السياسي، بل أيضًا على مستوى الوقائع الاستراتيجية. وكلما زادت محاولات إسرائيل لفصل الملف اللبناني عن الإيراني، ازداد إصرار طهران على تأكيد أن الملفين مترابطان وأن أي تسوية لأحدهما لا يمكن أن تتم بمعزل عن الآخر.
في النهاية، نحن أمام صراع إرادات شديد التعقيد، تتداخل فيه القوة العسكرية مع الضغوط الاقتصادية والحسابات السياسية والتفاوضية. وهو صراع قد يعيد رسم كثير من معادلات المنطقة خلال السنوات المقبلة، في مشهد لم يشهد الشرق الأوسط مثله منذ عقود طويلة.
