العرب وافريقياعاجلمقالاتملفات

اليسار الروسي: بين إرث السوفييت وتحولات ما بعد الاتحاد السوفيتي

بقلم: سمير سليم

عند الحديث عن “اليسار الروسي”، فإننا لا نتحدث عن تيار واحد متجانس، بل عن مشهد فكري وسياسي معقّد، تداخلت فيه التجربة السوفيتية مع تحولات ما بعد 1991، وصعود الرأسمالية الروسية، ثم عودة الدولة القوية. هذا الخليط أنتج يسارًا متعدد الطبقات بين أحزاب تقليدية وحركات احتجاجية وتيارات فكرية جديدة.

أولاً: الإرث السوفيتي كمرجعية ثقيلة يمثل الاتحاد السوفيتي مرجعية أساسية لجزء كبير من اليسار الروسي، سواء كرمز للعدالة الاجتماعية والتصنيع والتعليم المجاني، أو كموضوع نقد يتعلق بالبيروقراطية وغياب الديمقراطية الداخلية.

ثانيًا: اليسار بعد 1991 – الانهيار وإعادة التشكل مع انهيار الاتحاد السوفيتي، دخلت روسيا مرحلة اقتصاد السوق، وما صاحبها من خصخصة واسعة وصعود الأوليغارشية وتدهور اجتماعي حاد. في هذا السياق، أعاد اليسار تنظيم نفسه، وكان أبرز تعبير عنه هو الحزب الشيوعي في الاتحاد الروسي الحزب الشيوعي في الاتحاد الروسي، الذي أصبح المعارضة البرلمانية الأبرز لسنوات طويلة، جامعًا بين الحنين للسوفييت والخطاب الاجتماعي المعارض للرأسمالية.

ثالثًا: اليسار الروسي المعاصر – خريطة متعددة الاتجاهات يمكن فهم اليسار الروسي اليوم عبر ثلاثة مستويات رئيسية: 1. اليسار التقليدي ويمثله أساسًا:الحزب الشيوعي في الاتحاد الروسي الحزب الشيوعي في الاتحاد الروسي  وهو التيار الأكبر، ويعتمد على: الدفاع عن دور الدولة  نقد الخصخصة و استعادة رمزية الدولة السوفيتية خطاب اجتماعي محافظ نسبيًا

1. اليسار الاحتجاجي والحركات الراديكالية وهنا تظهر حركات أكثر ديناميكية واحتجاجية، أبرزها:Left Front  وهي حركة يسارية احتجاجية برزت في التظاهرات والحراك المعارض، وتركز على النقد السياسي المباشر للسلطة والدعوة للعدالة الاجتماعية  Russian Socialist Movement.   وهي من أبرز محاولات بناء يسار اشتراكي ديمقراطي حديث، يجمع بين الماركسية النقدية والدفاع عن الديمقراطية وحقوق العمال.

1. تيارات يسارية صغيرة ومشتتة وإلى جانب ذلك، توجد شبكات صغيرة وحلقات فكرية ونقابية، منها: مجموعات طلابية يسارية في الجامعات و مبادرات نقابية مستقلة و تيارات أناركية مثل “العمل الذاتي/Autonomous Action” وتحالفات يسارية صغيرة مثل “جبهة روت فرونت” (تحالف شيوعي-يساري محدود التأثير).

هذه التيارات غالبًا تعمل خارج الأطر الحزبية الرسمية، وتعتمد على النشاط الثقافي والتوعوي أكثر من العمل الانتخابي.

رابعًا: علاقة اليسار بالدولة

العلاقة بين اليسار والدولة في روسيا معقدة؛ فبينما يُسمح لبعض الأحزاب بالعمل داخل النظام السياسي، إلا أن هامش المعارضة الفعلية يبقى محدودًا. في المقابل، تتبنى الدولة الروسية بعض السياسات الاجتماعية التي تستلهم جزئيًا من الإرث السوفيتي، خصوصًا في قطاعات استراتيجية وخطاب العدالة الاجتماعية.

خامسًا: تحديات اليسار الروسي

تعتبر أبرز التحديات التي تواجهه اليوم  الانقسام بين يسار تقليدي ويسار جديد و ضعف التنظيم خارج الحزب الشيوعي و غياب مشروع اقتصادي بديل متكامل و القيود السياسية على العمل الحزبي المستقل.

أن اليسار الروسي ليس امتدادًا مباشرًا للاتحاد السوفيتي، بل هو ساحة صراع بين ذاكرة الماضي ومحاولات بناء خطاب يساري حديث. وبين الحنين للنموذج السوفيتي ومحاولات تطوير يسار ديمقراطي نقدي، يظل هذا التيار عنصرًا مهمًا لفهم التحولات الاجتماعية والسياسية في روسيا المعاصرة.

زر الذهاب إلى الأعلى