حين خذلت إسرائيل حلفاءها في لبنان
معتز منصور – كاتب وباحث سياسي
منذ الأيام الأولى للحرب، لم يخفِ جزء من الداخل اللبناني رهانه على أن تنتهي المواجهة بما عجز عنه الصراع السياسي الداخلي طوال عقود. بدا وكأن البعض ينتظر أن تنجز إسرائيل، بالقوة العسكرية، ما لم تستطع الانقسامات اللبنانية والتجاذبات السياسية فرضه. ارتفعت التوقعات، وكثرت التقديرات التي تحدثت عن نهاية الحزب، وعن لحظة تاريخية ستعيد تشكيل لبنان على أنقاضه، وتفرض موازين قوى جديدة تعجز السياسة عن إنتاجها.
لكن الحروب لا تُحسم بالأمنيات، ولا تُقاس بحجم القوة المستخدمة فقط، بل بقدرة هذه القوة على تحويل إنجازاتها العسكرية إلى وقائع سياسية مستقرة. وهنا تحديداً بدأت الفجوة تتسع بين ما أُعلن من أهداف وبين ما سمحت به الوقائع.
فإسرائيل التي دخلت الحرب وهي تتحدث عن تغيير البيئة الاستراتيجية وإنهاء التهديد الذي يمثله حزب الله، وجدت نفسها أمام معضلة أكثر تعقيداً. التفوق العسكري الهائل لم ينجح في إنتاج حسم سياسي، ومحاولات فرض وقائع ميدانية جديدة اصطدمت بكلفة متزايدة، وباستحالة تثبيت وجود عسكري طويل الأمد من دون الانزلاق إلى حرب استنزاف مفتوحة.
وفي المقابل، أظهر الحزب قدرة على الصمود وإعادة التكيف ومنع إسرائيل من تحويل تفوقها الناري إلى واقع سياسي جديد، بما جعل فكرة الحسم نفسها أكثر هشاشة مما افترضته حسابات البداية. ومع تراجع جدوى الاستمرار، تصاعدت الحاجة إلى ضبط إيقاع الحرب بدل توسيعها.
غير أن الصورة لا تكتمل من دون البعد الإقليمي الأوسع. فلبنان لم يكن يوماً ساحة منفصلة عن هندسة التفاهمات الكبرى بين واشنطن وطهران، بل جزءاً من ملف إقليمي متشابك تُعاد صياغته على طاولة التفاوض. وفي هذا السياق، لم تكن الجبهة اللبنانية مجرد امتداد للحرب، بل ورقة داخل مسار تفاوضي أوسع، حيث تتقاطع حسابات الردع مع ملفات النووي والنفوذ الإقليمي وأمن الممرات الحيوية.
هذا التشابك جعل القرار الأميركي يتجاوز مجرد إدارة علاقة مع إسرائيل، ليصبح جزءاً من إدارة توازن شامل مع إيران، بما في ذلك ضبط مستوى التصعيد في لبنان. فالمسألة لم تعد فقط ماذا تريد تل أبيب، بل أيضاً ما هو السقف الذي يمكن أن تتعايش معه واشنطن في إطار تفاهماتها الأوسع مع طهران.
ومع هذا التعقيد، دخلت الولايات المتحدة على خط إنهاء الأعمال الحربية، ليس فقط لأن الحرب استنزفت أطرافها، بل لأنها أصبحت قابلة للتحول إلى عنصر اضطراب داخل معادلة إقليمية أوسع يجري التفاوض على حدودها تدريجياً. وهنا يصبح وقف النار نتيجة تفاعل ثلاثي: عجز ميداني إسرائيلي عن الحسم، صمود يمنع الانهيار، وإدارة أميركية تسعى إلى ضبط الجبهة اللبنانية داخل ورقة تفاهم أشمل مع إيران.
وهنا تكمن المفارقة الأعمق. فالذين راهنوا في الداخل اللبناني على أن تنجز إسرائيل ما عجزوا هم عن تحقيقه سياسياً، وجدوا أنفسهم أمام إسرائيل لم تستطع تحويل تفوقها العسكري إلى تغيير جذري، وأمام واشنطن التي لا تتحرك بمعزل عن حسابات تفاوضها مع طهران، وأمام واقع إقليمي لا يُدار بمنطق الرغبات المحلية بل بمنطق التوازنات الكبرى.
المشكلة لم تكن في اختلاف اللبنانيين حول الحزب، فهذا أمر طبيعي في بلد تعددي كلبنان، بل في الاعتقاد بأن الخارج سيحسم ما عجز الداخل عن حسمه، وأن إسرائيل قادرة على إعادة صياغة التوازنات اللبنانية وفق تصورات فريق داخلي دون آخر. لكن التجربة مجدداً تؤكد أن الوقائع الداخلية لا تُستورد جاهزة من الخارج، وأن القوى الدولية، بما فيها الولايات المتحدة ، تتحرك ضمن حدود مصالحها لا ضمن أمنيات حلفائها.
وفي النهاية، لا تبدو الحرب كأنها انتهت بانتصار واضح أو هزيمة حاسمة، بل بانكشاف حدود الجميع: حدود القوة الإسرائيلية، وحدود الرهان الداخلي على الخارج، وحدود حتى القدرة الأميركية على فرض نتائج نهائية خارج إطار التوازن مع إيران. وما يتبقى هو توازن مُعاد إنتاجه، لا انتصار مُنجز.
