إبداعات عربيةعاجلمقالاتملفات

اليسار الاشتراكي الديمقراطي الجديد في روسيا – محاولة كسر إرث الماضي

بقلم: سمير سليم – الجزء ٣

داخل المشهد اليساري الروسي، يظهر تيار مختلف عن اليسار التقليدي المرتبط بالإرث السوفيتي، ومختلف أيضًا عن اليسار الاحتجاجي العفوي. إنه ما يمكن تسميته بـ **اليسار الاشتراكي الديمقراطي الجديد**؛ تيار صغير نسبيًا، لكنه مهم لفهم محاولات إعادة صياغة فكرة “اليسار” في روسيا المعاصرة.

هذا التيار لا يقوم على الحنين للماضي، بل على محاولة بناء يسار حديث يشبه إلى حد ما التجارب الأوروبية: اشتراكية ديمقراطية، إصلاحية، نقدية للرأسمالية ولكن ضمن إطار ديمقراطي تعددي.

 أولاً: ما الذي يميز هذا اليسار؟

اليسار الاشتراكي الديمقراطي الجديد يختلف عن غيره في ثلاثة عناصر رئيسية:

 *لا يعتمد على النموذج السوفيتي كمرجعية أيديولوجية جامدة.

 * لا يركز على الثورة بقدر ما يركز على الإصلاح التدريجي والتغيير الهيكلي.

 * يضع الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات المدنية في قلب المشروع السياسي.

هو أقرب إلى “يسار مدني” منه إلى يسار ثوري تقليدي.

 ثانياً: الحركة الاشتراكية الروسية كنموذج

من أبرز التعبيرات عن هذا التيار: الحركة الاشتراكية الروسية (Russian Socialist Movement – RSD) . هذه الحركة تمثل محاولة واضحة لبناء يسار حديث في روسيا، يجمع بين:

 * الفكر الماركسي النّقدي وتطويره.

 * الاشتراكية الديمقراطية القائمة على التعددية.

 * العمل النقابي والدفاع عن حقوق العمال.

 * قضايا اجتماعية حديثة مثل البيئة، العدالة الجندرية، وحقوق المرأة.

ما يميزها أنها لا تحاول إعادة إنتاج الاتحاد السوفيتي، بل تتعامل معه كمرحلة تاريخية يمكن نقدها والاستفادة من دروسها في آن واحد.

ثالثاً: الجذور الفكرية والتمايز الجيوسياسي

يستمد هذا التيار أفكاره من عدة مصادر رئيسية:

 * الماركسية الغربية الحديثة والتحليل النقدي لآليات السوق.

 * الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية.

 * حركات اليسار الجديد بعد عام 1968 وتجارب النقابات المستقلة.

لكن في السياق الروسي المعاصر، يجد هذا التيار نفسه في موقع دفاعي مستمر. فبينما يتماهى اليسار التقليدي (مثل الحزب الشيوعي لروسيا الاتحادية) مع التوجهات الجيوسياسية الرسمية للدولة، يتبنى اليسار الجديد مواقف مبدئية مناهضة للحروب والنزاعات العسكرية ، معتبراً إياها انعكاساً لصراعات إمبريالية تضر بالطبقات العاملة في كل الأطراف، مما يضعه في صدام مباشر مع الخطاب القومي السائد.

رابعاً: أجندته السياسية والاجتماعية

يركز اليسار الاشتراكي الديمقراطي الجديد على قضايا برامجية وعملية تمس حياة المواطن، بعيداً عن الشعارات الأيديولوجية الكبرى:

 * العدالة الاجتماعية عبر نظام ضريبي تصاعدي وإصلاحي.

 * دعم وتمكين النقابات العمالية المستقلة بعيداً عن هيمنة الدولة.

 * تقليل الفجوة الاقتصادية الحادة بين الأغنياء والفقراء.

 * الدفاع المستميت عن الحريات المدنية وحرية التعبير.

 * سياسات بيئية متكاملة تناهض الاستغلال الرأسمالي للموارد الطبيعية.

 * تعزيز الديمقراطية الداخلية والمشاركة الأفقية داخل التنظيمات السياسية.

خامساً: التحديات الكبرى والأزمات البنيوية

رغم حداثة خطابه ونضجه الفكري، يواجه هذا التيار تحديات وجودية معقدة في الواقع الروسي:

 1. ضعف القاعدة الشعبية والاصطدام الثقافي: 

لا يمتلك امتداداً جماهيريًا واسعًا مقارنة بالحزب الشيوعي التقليدي. فالأجندة الثقافية والاجتماعية الحديثة التي يتبناها (كالبيئة وحقوق الهويات) غالباً ما تصطدم بالبنية الاجتماعية والمحافظة السائدة في الأوساط العمالية الروسية، مما يجعل خطابه يبدو “نخبوياً” أو “غربياً” في نظر البعض.

 2. المنافسة غير المتكافئة: الناخب الروسي ذو الميول اليسارية يميل تاريخياً ونفسياً إلى النموذج السوفيتي ومفهوم “الدولة القوية”، أكثر من ميله إلى النموذج الأوروبي التعددي.

 3. القيود السياسية الصارمة ومعضلة المنفى:

لا تسمح البيئة السياسية الحالية بنمو أحزاب مستقلة، بل إن تصنيف قادة ورموز هذا التيار (مثل “الحركة الاشتراكية الروسية”) كـ “عملاء أجانب” وملاحقتهم، دفع بالكثير من كوادره ومفكريه إلى العمل من المنفى، مما خلق تحدياً بنيوياً حول كيفية التأثير في الداخل الروسي من الخارج.

 4. التشتت التنظيمي: تظل الكثير من المبادرات محصورة في مجموعات ونقاشات فكرية صغيرة ومشتتة تفتقر إلى التنظيم الحزبي الواسع.

سادساً: هل هو مستقبل اليسار الروسي؟

يبقى الجدل مفتوحاً داخل روسيا وخارجها حول آفاق هذا التيار:

 * البعض يراه “المستقبل الممكن الوحيد”

لقطاع واسع من الشباب وجيل المستقبل، لكونه يقدم خطاباً حديثاً يربط العدالة الاقتصادية بالحريات السياسية.

 * والبعض الآخر يراه تجربة نخبوية عاجزة عن اختراق الطبقات الشعبية العميقة في ظل الظروف السياسية الراهنة.

لكن المؤكد أن اليسار الاشتراكي الديمقراطي الجديد يمثل محاولة جادة وجريئة للخروج من ثنائية “الحنين للسوفيتي القديم، أو الانخراط في احتجاج عفوّي غير منظم”. إنه مشروع قيد التشكل؛ يعيش مخاضاً صعباً بين طموح بناء يسار عصري بمواصفات عالمية، وبين واقع سياسي واجتماعي محلي بالمرصاد لكل محاولات التغيير.

زر الذهاب إلى الأعلى