نزيف القارة الإفريقية

بقلم: محمد إسماعيل
تابعت معظم مباريات كأس العالم هذا العام 2026، واستمتعت كما استمتع ملايين المشاهدين حول العالم. لكن شيئًا واحدًا ظل يلفت انتباهي في كل مباراة، حتى أصبح من المستحيل تجاهله ومؤكد انه لفت انتباهكم منذ الكاس السابق فى 2022. كنت أشاهد منتخبات أوروبا وأمريكا الشمالية، لكنني في الحقيقة كنت أشاهد إفريقيا أيضًا.
قبل ايام بسيطة قرأت تعليقًا ساخرًا كتبه أحد الأصدقاء على فيسبوك لا اتذكر ان كان علاء الدين او معتصم اقرع يقول فيه : أنا أشجع كل المنتخبات الإفريقية… إلامنتخب فرنسا فضحكت أولًا، ثم توقفت قليلًا لأفكر. فالسخرية كانت تحمل قدرًا كبيرًا من الحقيقة.
المفارقة كانت واضحة. معظم المنتخبات الإفريقية غادرت البطولة مبكرًا، باستثناء المغرب ومصر اللذين واصلا المنافسة لفترة أطول، بينما بقي أبناء إفريقيا يملؤون الملاعب ويرفعون الكأس المحتملة… ولكن بقمصان منتخبات أخرى.
في فرنسا وحدها التى احتلت المرتبة الرابعة فى الكاس بهزيمتها من المنتخب الانجليزى يوم امس نجد أسماء مثل كيليان مبابي، أوريلين تشواميني، ويليام ساليبا، راندال كولو مواني، إبراهيما كوناتي، ووارن زاير إيمري، وجميعهم تعود جذورهم إلى دول إفريقية مختلفة؛ من الكاميرون والكونغو ومالي والسنغال وساحل العاج وغيرها.
بلجيكا تعتمد منذ سنوات على أسماء من أصول كونغولية وإفريقية مثل جيريمي دوكو، روميو لافيا، وأميل أونانا. وهولندا تضم لاعبين من أصول غانية وسورينامية وكوراساوية. وإنجلترا تضم بوكايو ساكا الذى احرز ثلاثة اهداف فى مباراة امس، إيبيريتشي إيزي، نوني مادويكي، وكثيرين غيرهم ممن تمتد جذور عائلاتهم إلى نيجيريا وغانا ودول إفريقية أخرى. وحتى كندا والولايات المتحدة أصبحتا تضمان عددًا متزايدًا من اللاعبين المولودين في أسر إفريقية.
وفي المقابل، كانت منتخبات مثل السنغال وغانا ونيجيريا وساحل العاج والكونغو والجزائر وغيرها تغادر البطولة الواحدة تلو الأخرى، بينما كان أبناء هذه الدول يواصلون المنافسة على اللقب… ولكن مع منتخبات أخرى.
قد يقول قائل: وما المشكلة؟ هؤلاء اللاعبون ولدوا في أوروبا أو هاجروا إليها صغارًا، ومن حقهم أن يمثلوا البلد الذي منحهم الجنسية. وهذا صحيح تمامًا. لا يمكن لوم لاعب على اختيار وطنه القانوني أو المكان الذي نشأ فيه وتعلم فيه كرة القدم.
لكن القضية ليست قضية ولاء، بل قضية تنمية.
كرة القدم هنا مجرد مرآة تعكس ما يحدث في كل المجالات. إفريقيا لا تخسر لاعبيها فقط، بل تخسر أيضًا أطباءها ومهندسيها وعلماءها وباحثيها ورواد أعمالها. القارة تستثمر، أو بالأحرى تنجب، بينما تجني دول أخرى الثمار. و هى مسيرة طويلة تكبدتها القارة منذ ازمان العبودية ولا زالت تتكبدها حتى اليوم.
لو نظرنا إلى مسيرة أغلب هؤلاء اللاعبين سنجد أن موهبتهم وحدها لم تكن كافية. ما صنع الفارق هو المدارس الكروية، والأندية المنظمة، والملاعب، والتغذية، والرعاية الطبية، والاستقرار، والبطولات المنتظمة، والإدارة الاحترافية. كل ذلك وجدوه في أوروبا، وليس في كثير من بلدانهم الأصلية.
ولعل السؤال الحقيقي ليس: لماذا اختار هؤلاء اللاعبون أوروبا؟
السؤال الأصعب هو: لماذا لم تستطع إفريقيا أن توفر لهم البيئة التي تجعل اختيارها أمرًا طبيعيًا؟
لا يتعلق الأمر بالإمكانات البشرية، فالقارة أثبتت أنها من أغنى مناطق العالم بالمواهب الرياضية. المشكلة تكمن في المؤسسات. ففي كثير من الدول الإفريقية ما زالت الاتحادات الرياضية تعاني من ضعف الإدارة، والتدخلات السياسية، والفساد، وسوء التخطيط، وضعف الاستثمار في الفئات السنية. لذلك لا يكون غريبًا أن يبحث اللاعب عن المكان الذي يمنحه فرصة أفضل لتحقيق حلمه.
بل إن المفارقة تصبح أكثر إيلامًا عندما نرى دولًا استعمرت إفريقيا لعقود طويلة، ثم أصبحت اليوم تحصد ثمار أبناء تلك المستعمرات السابقة داخل ملاعب كرة القدم. فرنسا مثال واضح على ذلك، لكن الظاهرة تمتد إلى بلجيكا وإنجلترا وهولندا والبرتغال واسبانيا وغيرها. إنها صورة جديدة لعلاقة قديمة، تختلف أدواتها لكنها تطرح الأسئلة نفسها حول العدالة، والتنمية، وتوزيع الفرص. وغدا سنرى لاميل يامال الافريقى متالقا مع منتخب اسبانيا.
ومع ذلك، لا ينبغي أن يتحول هذا الحديث إلى جلد للذات أو إلى اتهام للاعبين بالخيانة. هؤلاء الشباب حققوا أحلامهم بجهدهم، وكثير منهم لا يزال يفتخر بجذوره الإفريقية، ويزور بلدان أسرته، ويستثمر فيها، ويدعمها. المشكلة ليست في اللاعب، بل في الواقع الذي دفعه إلى الرحيل.
ربما لهذا السبب شعرت وأنا أشاهد كأس العالم أن إفريقيا كانت حاضرة أكثر من أي وقت مضى، لكنها كانت حاضرة بأعلام الآخرين.
ولهذا أتمنى أن يأتي يوم نشاهد فيه أبناء إفريقيا يرفعون كأس العالم بقميص إفريقي، لا لأنهم ولدوا هنا أو هناك، بل لأن القارة أصبحت قادرة على الاحتفاظ بمواهبها، وصناعة مستقبلها بنفسها.
