أخبارالشرق قادمعاجلمتنوعاتملفات

كيف عاقب اللوبي “الصهيوني” في واشنطن نواب الشعب الأمريكي “الديمقراطيي”؟

كتب: هانى الكنيسى 

“على رواقة” كما يقول التعبير المصري، وخلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، أزالت “لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية” المعروفة اختصارًا باسم ‘إيباك’ AIPAC روابط التبرع المباشر من موقعها الإلكتروني، لأكثر من عشرين نائبًا في الحزب الديمقراطي. 

والسبب ببساطة، معاقبة أولئك “المارقين الخونة” (هكذا وصفهم أكثر من معلق إسرائيلي) بعد جلسة تصويت في الكونغرس الأمريكي، يوم الأربعاء الماضي، لمناقشة “تعديل” تشريعي يُسقط 3.3 مليار دولار من المساعدات الأمنية لإسرائيل.

الدراما بدأت في مجلس النواب مع انضمام 103 عضوًا ديمقراطيًا إلى النائب الجمهوري ‘توماس ماسي’ Thomas Massie من ولاية ‘كنتاكي’ لدعم التعديل، مقابل 98 ديمقراطيًا صوّتوا ضده، قبل أن يسقط المقترح نهائيًا -بأغلبية 314 مقابل 104- بفضل التصويت الجمهوري “الإجماعي” ضده. 

لكن إعلان النتيجة لم يضع نهاية القصة، بل كتب فصل “العقاب السياسي” من أصحاب القرار خلف الستار. 

فوفق ما نشرته مجلتا ‘بوليتيكو’ Politico الأمريكية وJNS (اليهودية)، شطبت ‘إيباك’ من صفحتها “بوابات التبرع” Donor Portals الخاصة بـ 18 نائبًا ديمقراطيًا سيخوضون انتخابات التجديد النصفي المقبلة (أبرزهم ‘كاثرين كلارك’ نائبة زعيم الكتلة الديمقراطية في مجلس النواب). كما حذفت “رسائل الشكر” لثلاثة من كبار النواب الديمقراطيين الذين لن يشاركوا في أي انتخابات جديدة، وللمصادفة جميعهن من العنصر النسائي؛ وهن: ‘نانسي بيلوسي’ (الرئيسة السابقة لمجلس النواب وزعيمة الديمقراطيين في الكونغرس لعشرين عامًا)، و’جوليا براونلي’ (النائبة المخضرمة عن كاليفورنيا)، و’جولي جونسون’ (ذات الميول الليبرالية من تكساس، وأول نائبة مثلية). 

الرسالة كانت واضحة: من يصوّت ضد مصالح إسرائيل، يخسر الغطاء المالي الذي يمنحه أكبر “لوبي” صهيوني (رغم عدم تصنيف اللجنة رسميًا كجماعة ضغط، وهذا لغز أمريكي أخر) للمرشحين الذين يصنفهم “داعمين” للعلاقات الأمريكية-الإسرائيلية. 

وبحسب تحليل لصحيفة Washington Examiner، استند إلى سجلات “لجنة الانتخابات الفيدرالية” FEC ، فإن النواب الـ104 الذين أيدوا التعديل تلقوا مجتمعين نحو 11 مليون دولار من الأموال المرتبطة بلجنة ‘إيباك’ على مدى السنين الماضية (‘بيلوسي’ تلقت 19 ألف دولار من التبرعات المباشرة)، فيما طلب 48 منهم دعم المنظمة فعليًا منذ دورة انتخابات 2022. 

وفي المقابل، أبقت الأم الحنون ‘إيباك’ روابط التبرع مفتوحة أمام الديمقراطيين الذين صوّتوا ضد وقف المساعدات الأمنية لإسرائيل، وعلى رأسهم زعيم الأقلية ‘حكيم جيفريز’ (النيويوركي ذو الأصل الأفريقي)، في إشارة مقصودة إلى أن المنظمة “تكافئ” المخلصين الذين لا يخرجون عن المسار المرسوم. وهي الرسالة التي أوجزتها المتحدثة باسم اللجنة ‘ديرين سوسا’ Deryn Sousa، بقولها نصًا:” إن إيباك تقدّر بعمق المشرعين الذين يثبتون على المبدأ، ويتشعر بخيبة أمل تجاه من لا يفعلون ذلك”. 

أما المفارقة في “الصورة الأوسع”، فتكمن في تزامن هذه الانقضاضة الإيباكية الصهيونية على “متمردي” الحزب الديمقراطي مع نتائج الاستطلاعات غير المحابية، وأحدثها ذلك الذي أجرته صحيفة ‘نيويورك تايمز’ بالتعاون مع جامعة Siena (نُشر في مايو الماضي، وخصصت له منشورا مستقلا) وأظهر أن نحو ثلاثة أرباع الديمقراطيين يريدون خفض المساعدات العسكرية لإسرائيل، بينما يطالب 40% منهم بإلغائها بالكامل. 

بل إن هذا التوجه الديمقراطي “المضاد” لم يقتصر على الاستطلاعات فحسب، وعكسته أرقام التصويت في مجلس الشيوخ أيضا؛ إذ صوّت 40 سيناتور ديمقراطيًا في مايو ضد مزيد من الدعم العسكري لإسرائيل، وهو رقم كان يصعب تخيله قبل سنوات قليلة.

هذه “التحولات” وضعت ‘إيباك’ وما عداها من لوبيات صهيونية نشطة في الولايات المتحدة أمام واقع جديد. فالحزب الذي كان يُفترض تاريخيًا أنه “الحاضنة”التقليدية لدعم إسرائيل، يشهد انقسامًا داخليًا متسارعًا، خصوصًا بين الجناح التقدمي والجيل الأصغر من الناخبين والمرشحين. 

ومن هذا المنظور، يرى المحللون أن التصويت الأخير لم يكن فقط اعتراضًا على منح إسرائيل 3.3 مليار دولار من المساعدات، بل علامة على “تحول مركز الثقل” داخل الحزب الديمقراطي بعيدًا عن الإجماع القديم بشأن إسرائيل. 

ويزداد المشهد قتامةً بالنسبة للتيار الصهيوني، مع صعود جيل ديمقراطي جديد “صريح في عداوته لإسرائيل”، مثل عمدة نيويورك المسلم ‘زهران ممداني’ (الذي يبحث علنًا إمكانية اعتقال النتنياهو فور أن تطأ قدماه الملطختان بدماء غزة أرض نيويورك)، فضلا عن خسارة عضوي الكونغرس السابقين ‘جمال بومان’ و’كوري بوش’ منافسات الانتخابات التمهيدية، بتأثير حملات انتقدت مواقفهما الموالية لإسرائيل. 

ومع كل خسارة انتخابية أو جولة جديدة من هذا النوع، تنبري ‘إيباك’ بتوجيه “إنذارات” أو رسائل ردع، خشية أن يتحول “التمرّد الجزئي” داخل الحزب الديمقراطي إلى قاعدة انتخابية قد يستحيل احتواؤها.

زر الذهاب إلى الأعلى