أخبارإبداعات عربيةعاجلمقالاتملفاتنحن والغرب

سقوط دولة أم سقوط فكرة؟

بوريس كاغارليتسكي يجيب: هل فشلت الاشتراكية بسقوط الاتحاد السوفيتي؟ 

بقلم: سمير سليم/ الجزء الثانى

كان انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 واحدًا من أكثر الأحداث تأثيرًا في تاريخ القرن العشرين. فلم يكن مجرد نهاية لدولة عظمى لعبت دورًا رئيسيًا في السياسة العالمية، بل كان أيضًا لحظة فاصلة في تاريخ الأفكار والصراعات الاجتماعية.

فمع سقوط الاتحاد السوفيتي، أعلن كثيرون أن الاشتراكية قد انتهت، وأن الرأسمالية أثبتت تفوقها النهائي، وأن التجربة السوفيتية كانت الدليل على استحالة بناء نظام اقتصادي واجتماعي مختلف عن النظام الرأسمالي.

لكن هذا الحكم لم يكن محل اتفاق الجميع. فقد رأى عدد من المفكرين اليساريين أن ما انهار عام 1991 لم يكن فكرة الاشتراكية نفسها، وإنما نموذج تاريخي محدد ارتبط بظروف سياسية واقتصادية خاصة، وأن فشل تجربة لا يعني بالضرورة فشل الفكرة التي رفعت اسمها.

ومن بين أبرز الذين حاولوا تقديم قراءة مختلفة لهذه اللحظة التاريخية المفكر الروسي بوريس كاغارليتسكي، الذي عايش مرحلة الاتحاد السوفيتي، وانتقد جوانب عديدة داخل التجربة السوفيتية، ثم تابع التحولات التي شهدتها روسيا بعد الانهيار.

لم يكن كاغارليتسكي من أنصار العودة إلى الماضي كما كان، ولم يعتبر أن كل ما حدث في الاتحاد السوفيتي يمثل نموذجًا يجب استعادته، لكنه رفض أيضًا فكرة أن سقوط الاتحاد السوفيتي يعني نهاية البحث عن العدالة الاجتماعية.

وكان سؤاله الأساسي: هل فشلت الاشتراكية، أم فشل نموذج معين حاول أن يمثلها؟

هل كان انهيار الاتحاد السوفيتي يعني فشل الاشتراكية؟

يرى كاغارليتسكي أن الإجابة يجب أن تبدأ بالتمييز بين أمرين: الفكرة الاشتراكية والتجربة السوفيتية.

فالاشتراكية، من وجهة نظره، ليست مجرد شكل واحد للدولة أو الاقتصاد، وإنما هي مشروع تاريخي يقوم على محاولة تجاوز التفاوتات الاجتماعية، وإعطاء المجتمع دورًا أكبر في التحكم في الثروة والقرار الاقتصادي.

أما الاتحاد السوفيتي فكان تجربة تاريخية محددة نشأت في ظروف خاصة؛ فقد خرج من حرب أهلية، وبنى دولة مركزية قوية، ثم دخل في صراع عالمي طويل مع القوى الرأسمالية.

ويرى كاغارليتسكي أن الخطأ الأساسي كان اعتبار النموذج السوفيتي هو الشكل الوحيد الممكن للاشتراكية، لأن ذلك أدى إلى تجاهل مشكلاته الداخلية وعدم القدرة على تطويره.

فبالنسبة له، انهيار الاتحاد السوفيتي أثبت فشل نظام سياسي واقتصادي معين، لكنه لا يثبت أن فكرة العدالة الاجتماعية أو البحث عن بديل للرأسمالية قد فقدت معناها.

كيف يفسر كاغارليتسكي فشل التجربة السوفيتية؟

يركز كاغارليتسكي على عدة عوامل رئيسية:

أولًا: صعود البيروقراطية

يرى أن أحد أكبر مشكلات التجربة السوفيتية كان ظهور جهاز إداري ضخم أصبح منفصلًا تدريجيًا عن المجتمع والطبقة العاملة التي كان يفترض أنه يمثلها.

فبدلًا من أن تكون الدولة أداة لمشاركة الناس في إدارة الاقتصاد والمجتمع، أصبحت في مراحل عديدة جهازًا مركزيًا يتخذ القرارات من أعلى إلى أسفل.

ومن وجهة نظره، أدى ذلك إلى إضعاف المشاركة الشعبية وتحويل الاشتراكية من مشروع اجتماعي واسع إلى نظام إداري مغلق.

ثانيًا: غياب الديمقراطية الاجتماعية

يرى كاغارليتسكي أن العدالة الاقتصادية لا يمكن أن تستمر بدون مشاركة سياسية حقيقية.

فالمشكلة، حسب تحليله، لم تكن فقط في طريقة إدارة الاقتصاد، وإنما في غياب آليات تسمح للمجتمع بمراقبة الدولة ومحاسبة المسؤولين.

ولهذا فهو يعتبر أن أي مشروع اشتراكي مستقبلي لا يمكن أن ينجح إذا فصل بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية.

ثالثًا: صعوبة التكيف مع التغيرات العالمية

يرى كاغارليتسكي أن الاقتصاد السوفيتي حقق إنجازات مهمة في التصنيع والتعليم والعلوم، لكنه واجه صعوبة في مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي شهدها العالم في النصف الثاني من القرن العشرين.

فالنظام الذي نجح في بناء الصناعة الثقيلة لم يكن قادرًا بالدرجة نفسها على التعامل مع اقتصاد المعرفة والتطورات الجديدة.

إذا لم يكن فشل الاشتراكية، فما الذي فشل إذن؟

إجابة كاغارليتسكي تقوم على أن الذي فشل هو نموذج جمع بين الاقتصاد الموجه من الدولة وبين نظام سياسي شديد المركزية.

فهو يرى أن الاشتراكية لا يمكن اختزالها في ملكية الدولة لكل شيء، لأن امتلاك الدولة لوسائل الإنتاج لا يعني بالضرورة أن المجتمع أصبح هو المالك الحقيقي أو المشارك في القرار.

وهنا يطرح فكرة أساسية في فكره:والاشتراكية ليست فقط سؤالًا عن الملكية، بل سؤالًا عن السلطة والمشاركة.

فمن يقرر؟ ومن يراقب؟ ومن يملك القدرة على تغيير السياسات؟

هذه الأسئلة، من وجهة نظره، لا تقل أهمية عن مسألة توزيع الثروة.

هل أثبتت الرأسمالية تفوقها بعد سقوط الاتحاد السوفيتي؟

يرفض كاغارليتسكي فكرة أن التاريخ حسم الصراع لمصلحة الرأسمالية بشكل نهائي.

فهو يعترف بأن النظام الرأسمالي حقق تطورًا كبيرًا في مجالات الإنتاج والتكنولوجيا والابتكار، لكنه يرى أن ذلك لا يلغي أزماته الداخلية.

ويشير إلى استمرار مشكلات مثل: اتساع الفوارق الاجتماعية.

تركّز الثروة في أيدي فئات محدودة.

أزمات الاقتصاد المتكررة.

ضعف الأمان الاجتماعي لدى قطاعات واسعة من الناس.

ومن وجهة نظره، فإن سقوط الاتحاد السوفيتي لم يثبت أن الرأسمالية هي النظام المثالي، بل أثبت أن النموذج السوفيتي لم يكن قادرًا على الاستمرار.

هل ما زال الصراع الطبقي قائمًا؟ يؤكد كاغارليتسكي أن الحديث عن انتهاء الصراع الطبقي هو قراءة غير دقيقة للعالم الحديث.

فحتى مع تغير شكل الاقتصاد، ما زالت هناك علاقات قوة بين من يملكون وسائل الإنتاج ومن يعتمدون على بيع قوة عملهم.

لكنه يرى أن الطبقات اليوم أصبحت أكثر تعقيدًا من الماضي، بسبب تغير طبيعة العمل وظهور قطاعات اقتصادية جديدة.

فالصراع الاجتماعي لم يختفِ، وإنما تغيرت أشكاله.

هل يمكن بناء اشتراكية جديدة في القرن الحادي والعشرين؟

يرى كاغارليتسكي أن أي مشروع اشتراكي جديد يجب أن يتعلم من أخطاء الماضي.

فلا يمكن تكرار نموذج الدولة المركزية المغلقة، ولا يمكن تجاهل أهمية الحريات السياسية والمشاركة الشعبية.

الاشتراكية المستقبلية، من وجهة نظره، يجب أن تجمع بين: العدالة الاجتماعية.

الديمقراطية.

مشاركة المواطنين.

السيطرة المجتمعية على القرارات الاقتصادية الكبرى.

وهو يرى أن السؤال لم يعد: كيف نعيد تجربة القرن العشرين؟

بل: كيف نبني نموذجًا جديدًا يناسب تحديات القرن الحادي والعشرين؟ تقييم فكر كاغارليتسكي: نقاط القوة والانتقادات نقاط القوة في تحليله أهم ما يميز كاغارليتسكي أنه يرفض الإجابات السهلة. فهو لا يقول إن الاتحاد السوفيتي كان نموذجًا مثاليًا، ولا يقبل في الوقت نفسه أن انهياره يعني موت كل الأفكار الاشتراكية.

كما أن تحليله يلفت الانتباه إلى أهمية العلاقة بين العدالة الاقتصادية والديمقراطية السياسية. الانتقادات الموجهة إليه

يرى منتقدوه أن تحليله يقلل أحيانًا من حجم المشكلات الاقتصادية داخل النظام السوفيتي، وأنه يركز أكثر على الأخطاء السياسية والإدارية.

كما يرى بعض منتقديه أن الانتقال من نقد الرأسمالية إلى تقديم نموذج بديل واضح ما زال يمثل تحديًا كبيرًا أمام التيارات اليسارية المعاصرة.

وهنا يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن تحقيق العدالة الاجتماعية دون الوقوع في أخطاء التجارب السابقة؟ هل انتهت الاشتراكية أم بدأت مرحلة جديدة من البحث عنها؟تكمن أهمية بوريس كاغارليتسكي في أنه لا يقدم إجابات جاهزة، بل يعيد طرح الأسئلة الكبرى.

فبالنسبة له، لم يكن عام 1991 نهاية لفكرة العدالة الاجتماعية، وإنما نهاية لتجربة تاريخية كشفت حدودها وأخطائها.

ويبقى الدرس الأساسي من تحليله أن أي مشروع يسعى إلى تغيير المجتمع يحتاج إلى أكثر من مجرد تغيير اقتصادي؛ فهو يحتاج أيضًا إلى مشاركة الناس، والديمقراطية، والقدرة على مراجعة الأخطاء باستمرار.

وربما يكون السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل فشلت الاشتراكية؟ بل: هل يستطيع الإنسان أن يبني مجتمعًا يجمع بين الحرية والعدالة الاجتماعية دون تكرار أخطاء الماضي؟وهذا السؤال، كما يرى كاغارليتسكي، ما زال مفتوحًا أمام التاريخ.

زر الذهاب إلى الأعلى