استنزاف بلا أفق

بقلم: معتز منصور/ كاتب وباحث سياسى
ليست المشكلة في أن السعودية وقعت اتفاقية دفاع مع تركيا وباكستان، ولا في أنها دعت إلى تحالف بحري في البحر الأحمر، ولا حتى في أنها صعدت خطابها تجاه اليمن أو الفصائل العراقية. فهذه كلها نتائج، أما السؤال الحقيقي فهو: ما الذي يدفع دولة بحجم السعودية إلى هذا النشاط المتسارع على أكثر من جبهة في وقت واحد؟ عندما تتسارع التحركات السياسية والعسكرية بهذا الشكل، فإن ذلك لا يعكس بالضرورة اتساع الخيارات، بل قد يكون دليلًا على ضيقها، لأن الدولة الواثقة من موقعها الاستراتيجي لا تستهلك أدواتها دفعة واحدة، ولا تنتقل بين المسارات بهذه السرعة، بل تتحرك وفق خطة ثابتة تحكمها غاية واضحة.
المشكلة أن البيئة الاستراتيجية في المنطقة تغيرت جذريًا، بينما ما زالت بعض العواصم تتعامل بعقلية المرحلة السابقة. لعقود طويلة كان امتلاك التفوق الجوي والتحالف مع واشنطن كافيًا لفرض الإرادة السياسية، أما اليوم فقد أصبحت السيطرة الحقيقية تُقاس بالقدرة على التأثير في شرايين الاقتصاد العالمي، وفي طرق الطاقة، وفي كلفة استمرار الصراع على الخصوم. لهذا لم يعد السؤال من يمتلك طائرات أكثر، بل من يستطيع أن يجعل حركة التجارة أكثر هشاشة، وأن يرفع ثمن أي مواجهة إلى مستوى لا يحتمله الطرف الآخر.
من هنا تبدو كل التحركات الأخيرة وكأنها محاولة لتعويض خلل بنيوي في ميزان القوة، لا لتغييره. فالدعوة إلى تحالفات بحرية لا تلغي حقيقة أن أمن الملاحة لم يعد يُحسم بالأساطيل وحدها، والاتفاقيات الدفاعية لا تغير واقعًا فرضته سنوات طويلة من التحولات الميدانية. القوة لم تعد تُقاس بعدد الدول التي تقف في صورة جماعية، بل بقدرة تلك الدول على تحمل كلفة الدخول في مواجهة مفتوحة. ولهذا كان الفارق كبيرًا بين الإعلان عن التحالفات وبين الاستعداد الفعلي لخوض حرب من أجلها.
أما الاتفاق مع تركيا وباكستان، فهو يعكس بدوره حدود الخيارات أكثر مما يعكس اتساعها. فلكل من أنقرة وإسلام آباد حساباته الخاصة، وعلاقاته المتشابكة، والتزاماته الإقليمية والدولية التي تجعل من الصعب تصور انتقالهما إلى مواجهة مباشرة دفاعًا عن مصالح غيرهما. ولذلك جاء الحرص السريع على نفي أن يكون الاتفاق تأسيسًا لمحور جديد أو تحالف عسكري بالمعنى التقليدي، لأن الجميع يدرك أن شبكة العلاقات الحالية لا تسمح بإعادة إنتاج أحلاف القرن الماضي.
والأهم من ذلك أن المشكلة لم تعد عسكرية أصلًا. فخلال السنوات الماضية أثبتت المنطقة أن الحملات الجوية المكثفة، مهما بلغ حجمها، لا تكفي لإعادة تشكيل البيئة السياسية إذا كان الطرف المقابل يمتلك قدرة على الصمود، أو على استنزاف خصمه، أو على تهديد مصالحه الحيوية. وهنا تتغير وظيفة القوة العسكرية، فبدل أن تكون أداة لفرض الإرادة، تصبح مجرد وسيلة لمنع الانهيار الكامل، بينما ينتقل مركز الثقل إلى الاقتصاد، والممرات البحرية، وإدارة الوقت، وقدرة كل طرف على تحمل الاستنزاف.
لهذا يبدو لافتًا أن المملكة تتحرك اليوم في الاتجاهات الأقل تأثيرًا، بينما يبقى المسار الأكثر ارتباطًا بمصالحها المباشرة هو الأقل حضورًا. فالأمن البحري السعودي يرتبط شرقًا بما يجري في مضيق هرمز، وغربًا بما يجري في باب المندب، أي إن ضمان انسياب التجارة والطاقة يمر، شئنا أم أبينا، عبر تفاهمات مع القوى القادرة على التأثير في هذين الممرين، لا عبر محاولة الالتفاف على وجودها أو بناء توازنات بديلة لا تغير الواقع الميداني.
لقد دخل الشرق الأوسط مرحلة جديدة لم تعد تُحسم فيها الصراعات بمن يطلق النار أولًا، بل بمن يحدد قواعد الحركة الاقتصادية والجيوسياسية. ومن يقرأ المشهد بعقلية العقد الماضي سيجد نفسه ينفق موارد أكبر ليحصل على نفوذ أقل. أما من يدرك طبيعة التحول، فسيفهم أن التسويات ليست دائمًا علامة ضعف، بل قد تكون أحيانًا التعبير الأكثر واقعية عن موازين القوى الجديدة.
لهذا فإن السؤال ليس ما إذا كانت الاتفاقيات الدفاعية الجديدة ستضيف قوة إلى السعودية، بل ما إذا كانت تعالج أصل المشكلة أصلًا. فإذا كان الخلل في بنية البيئة الإقليمية، فإن زيادة عدد الشركاء لن تغير قواعد اللعبة، بل قد تزيد كلفة الاستمرار فيها. وفي السياسة، كما في الاقتصاد، ليست كل حركة دليلًا على التقدم، فقد تكون الحركة الكثيفة أحيانًا مجرد دوران داخل الحلقة نفسها، بينما يستمر ميزان القوى في التحول بعيدًا عن الضجيج.