قصة باسل صالحية .. قيادي “القسّام” الذي سجنه السنوار وأسرته إسرائيل

كتب: هانى الكنيسى
كشف الخبير القانوني الإسرائيلي ‘أفيشاي غرينتسايغ’ Greenzweig، في مقابلة مع القناة العبرية i24NEWS، أن القيادي السابق في كتائب القسام (الجناح العسكري لحماس) باسل صالحية، المعتقل لدى إسرائيل منذ عامين، سيقف قريبًا أمام المحكمة.
جهاز الأمن العام الإسرائيلي ‘الشاباك’Shin Bet الذي يحتجز القيادي لم يعلّق على التصريح ولم يقدم معلومات حول طبيعة الاتهامات الموجهة إليه، لكن قصة الرجل المعروف في غزة باسمه الكودي “أبو عماد الطيار”، تحمل الكثير من الألغاز والتفاصيل الدرامية بقدر ما يحمل تاريخه من أهمية بالنسبة لإسرائيل ولحركة حماس على حد سواء.
في 7 أبريل 2011، أطلقت خلية تابعة لكتائب القسام صاروخًا مضادًا للدروع وموجهًا بالليزر، من طراز ‘كورنيت’ Kornet، على حافلة مدرسية إسرائيلية قرب مستوطنة “شاعار هنيغيف” في محيط غزة، ما أدى إلى مقتل الطالب ‘دانيال فيفليك’ (كان في السادسة عشرة من عمره) متأثرًا بجراحه وإصابة سائق الحافلة.
وقتها أعلنت حماس مسؤوليتها عن الهجوم، مؤكدةً أنها لم تستهدف الحافلة وإنما أرادت قصف مركبة عسكرية، بينما اهتم الجيش الإسرائيلي بكون الصاروخ يمثل “نقلة نوعية” باعتباره سلاحا متطورا يتطلب قدرة تقنية وتدريبًا أكثر تعقيدًا من القذائف الصاروخية التقليدية.
ووقتها أيضا، اعتبرت إسرائيل أن باسل صالحية هو المسؤول المباشر عن تلك العملية ووصفته بأنه “مهندس” الهجوم، وهو ادعاء يفسر جزءًا من القيمة الأمنية لاعتقاله بعد كل تلك السنوات، لكن الجانب الأكثر إثارة (وغموضًا) في قصة القيادي الفلسطيني يرتبط بمساره داخل حركة المقاومة نفسها.
إذ ظهر صالحية مطلع عام 2021 في تسجيلات صوتية ومقاطع مصوّرة على السوشيال ميديا متحدثا عن اختراقات أمنية داخل كتائب القسام. ووجه اتهامات مباشرة إلى قيادات عسكرية، أبرزهم مروان عيسى الذي اتهمه صراحةً بالخيانة والتعاون مع إسرائيل، وتحدث عن امتلاك أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية معلومات دقيقة عن شبكة أنفاق حماس في أنحاء غزة. وردت كتائب القسام على تلك الاتهامات آنذاك بوصفها “أوهامًا”، قبل أن تحيله حماس إلى قضائها العسكري.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، أدى الخلاف بين صالحية وقيادات الجناح العسكري إلى سجنه بأمر من يحيى السنوار شخصيًا.
وبعد “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023، ووفقا للرواية ذاتها،
كان صلاحية محتجزًا في سجن تابع لحماس عندما تعرض الموقع للقصف الإسرائيلي، فنُقل إلى الإقامة الجبرية في “مدينة حمد” بخان يونس، قبل أن يجتاح جيش الاحتلال المنطقة، ويتمكن من أسره ونقله إلى أحد المعتقلات الإسرائيلية.
إذا صحت هذه الرواية، فإن أهمية باسل صالحية “الأمنية” بالنسبة لحماس لا تقل عن قيمته “الشخصية” لدى إسرائيل؛ بحكم موقعه السابق في قمة الهرم القيادي لكتائب القسام وقربه من قائدها الراحل محمد الضيف واطلاعه على تفاصيل بنيتها العسكرية والاستخباراتية، في مرحلة كانت القيادة العسكرية لحماس تخضع لعملية إعادة هيكلة وترتيبات بالغة السرية.
واللافت أن القادة الثلاثة الذين ارتبطت قصة صالحية بهم اختفوا من المشهد. إذ قُتل مروان عيسى نائب القائد العام لكتائب القسام والملقب بـ “رجل الظل”، في غارة جوية إسرائيلية على مخيم النصيرات وسط قطاع غزة في 10 مارس 2024. كما قُتل الضيف في غارة أخرى على منطقة المواصي بخان يونس في 13 يوليو 2024. بينما لقي يحيى السنوار حتفه خلال اشتباك مسلح مع قوة من الجيش الإسرائيلي في حي تل السلطان بمدينة رفح في 16 أكتوبر من العام ذاته.
لكن حتى الآن، لا توجد في المصادر المستقلة أدلة على صحة التفاصيل الواردة في السردية الإسرائيلية بشأن صالحية، خصوصًا ظروف اعتقاله أو طبيعة المعلومات التي يُزعم أنه أفشاها في الأسر (تحت التعذيب طبعًا). كما أن عدم صدور بيانات قضائية رسمية بشأن ملفه يقلل من مصداقية الرواية المتداولة.
بالنسبة لإسرائيل، فإن اعتقال باسل صالحية له ثلاثة أوجه في آن واحد: بعد قانوني يتعلق بهجوم 2011، وبعد استخباراتي يتعلق بما يعرفه عن الجناح العسكري لحماس، وبعد سياسي-أمني يتعلق باستغلال الانقسامات الداخلية في الحركة. وهذا الأخير ربما يكون الأهم.
فإسرائيل لا تتعامل اليوم مع حماس بوصفها كتلة واحدة متماسكة، وإنما كشبكة عسكرية وسياسية تعرضت لخسائر هائلة في قياداتها وبنيتها التحتية -خلال حرب الإبادة في غزة- ما أدى إلى تفكيك أجزاء مهمة من التسلسل القيادي التقليدي للحركة، ودفع وحداتها إلى العمل بقدر أكبر من اللامركزية. وفي مثل هذه الظروف، تصبح شهادة شخص كان جزءاً من البنية القديمة مصدراً محتملاً لفهم ما بقي من الشبكات التنظيمية وآليات الاتصال والقيادة.
