إلين ميكسنز وود: كيف نشأت الرأسمالية ولماذا لم تكن حتمية؟ – الجزء الثاني

بقلم: سمير سليم
إذا كانت الرأسمالية قد نشأت نتيجة تحولات تاريخية محددة، فإن السؤال التالي يصبح أكثر أهمية:
ما الذي يجعلها مختلفة عن المجتمعات التي سبقتها؟
بالنسبة إلى إلين ميكسنز وود، لا تكمن خصوصية الرأسمالية في وجود الأسواق أو التجارة أو المال وحدها، وإنما في أن علاقات السوق أصبحت تفرض نفسها على عملية الإنتاج نفسها.
فالمنتج لم يعد ينتج فقط من أجل تلبية حاجاته أو الوفاء بالتزامات اجتماعية وسياسية، وإنما أصبح مضطرًا إلى المنافسة وتحقيق الإنتاجية وخفض التكاليف من أجل البقاء.
وهذا يخلق ضغطًا اقتصاديًا لا تحتاج الرأسمالية إلى فرضه دائمًا بالقوة المباشرة.
فالسوق نفسه يصبح أداة للضغط.
من الإكراه السياسي إلى الإكراه الاقتصادي
تقدم وود هنا فكرة شديدة الأهمية لفهم الفرق بين الرأسمالية والمجتمعات السابقة.
في المجتمعات الإقطاعية، كان الفلاح يخضع في كثير من الأحيان لسلطة مباشرة من مالك الأرض أو السلطة السياسية، وكان جزء من فائض إنتاجه ينتزع منه من خلال علاقات سياسية وقانونية.
أما في الرأسمالية، فقد أصبح العامل في الغالب “حرًا” من الناحية القانونية، لكنه في الوقت نفسه لا يمتلك وسائل الإنتاج التي يحتاج إليها للعيش.
وبالتالي يضطر إلى بيع قوة عمله في السوق.
وهنا يظهر نوع مختلف من الإكراه.
فالعامل ليس بالضرورة مملوكًا لشخص آخر، لكنه يعتمد على السوق من أجل الحصول على دخله.
وهذه، في نظر وود، إحدى أهم التحولات التي جعلت الرأسمالية نظامًا مختلفًا تاريخيًا.
الرأسمالية كنظام اجتماعي
كانت وود ترفض النظر إلى الرأسمالية باعتبارها مجرد نظام اقتصادي.
فالسوق الرأسمالي يعيد تشكيل المجتمع كله.
عندما يصبح الإنسان معتمدًا على الدخل النقدي، وعندما تصبح الأرض والعمل والإنتاج خاضعة لضغوط المنافسة، تتغير طبيعة العلاقات الاجتماعية نفسها.
فالعمل يتحول إلى سلعة.
والأرض تتحول إلى أصل يمكن شراؤه وبيعه والاستثمار فيه.
والوقت يصبح مرتبطًا بالإنتاج والأجر.
وحتى العلاقات الاجتماعية يمكن أن تتأثر تدريجيًا بمنطق السوق.
ولهذا فإن الرأسمالية، بالنسبة إلى وود، ليست مجرد مجموعة من الشركات والأسواق، وإنما نمط كامل لتنظيم الحياة الاجتماعية.
ماذا عن الدولة؟
وهنا ترفض وود فكرة أن الرأسمالية تعني اختفاء الدولة.
على العكس، ترى أن الدولة كانت دائمًا جزءًا أساسيًا من بناء العلاقات الرأسمالية وحمايتها.
فحقوق الملكية والقوانين والعقود والنظام المالي والمؤسسات السياسية كلها تحتاج إلى إطار قانوني وسياسي.
لكن الدولة في المجتمع الرأسمالي لا تعمل بالضرورة بالطريقة نفسها التي تعمل بها السوق.
فالسوق ينظم جزءًا كبيرًا من العلاقات الاقتصادية من خلال المنافسة والأسعار، بينما توفر الدولة الإطار السياسي والقانوني الذي يسمح لهذه العلاقات بالعمل.
ولهذا لا يمكن فهم الرأسمالية من خلال الاقتصاد وحده، ولا من خلال السياسة وحدها.
لماذا لم تصبح كل أوروبا رأسمالية بالطريقة نفسها؟
هذا السؤال كان مهمًا جدًا بالنسبة إلى وود.
فإذا كانت التجارة والأسواق موجودة في معظم أنحاء أوروبا، فلماذا تطورت الرأسمالية بطريقة مختلفة في إنجلترا؟
إجابتها هي أن وجود الأسواق لا يكفي.
فالمهم هو طبيعة علاقات الملكية والطبقات.
وفي إنجلترا تطورت علاقة خاصة بين ملاك الأراضي والمزارعين والعمال الزراعيين، أدت إلى زيادة الضغط من أجل رفع الإنتاجية والمنافسة في السوق.
وهذا خلق ظروفًا مختلفة عن تلك التي وجدت في مجتمعات أوروبية أخرى.
وبذلك تصبح نشأة الرأسمالية نتيجة مسار تاريخي محدد، وليس نتيجة قانون عام ينطبق على كل المجتمعات.
نقد فكرة الطريق الواحد
من أهم نتائج هذا التحليل أن المجتمعات لا تسير بالضرورة في طريق واحد نحو الرأسمالية.
وهنا تقترب وود من فكرة مهمة جدًا:
التاريخ مليء بالمسارات الممكنة.
فالمجتمع الذي لم يصبح رأسماليًا في مرحلة معينة لم يكن بالضرورة متخلفًا عن مجتمع آخر سبقَه إلى الرأسمالية.
قد يكون ببساطة قد تطور وفق علاقات اجتماعية مختلفة.
وهذا يفتح الباب أمام دراسة تاريخ المجتمعات خارج النموذج الأوروبي، دون اعتبار التجربة الأوروبية معيارًا وحيدًا لتطور البشرية.
ماذا عن الدول غير الأوروبية؟
كانت هذه النقطة مهمة في أعمال وود، لأنها رفضت التفسير الذي يجعل أوروبا نموذجًا عالميًا مكتملًا، ثم ينظر إلى باقي المجتمعات باعتبارها مراحل متأخرة على الطريق نفسه.
فالتاريخ لا يعمل بهذه البساطة.
هناك مجتمعات امتلكت مدنًا وأسواقًا وتجارات واسعة، لكنها لم تتحول إلى الرأسمالية بالطريقة نفسها التي تحولت بها إنجلترا.
وهذا يعني أن علينا أن نبحث في البنية الاجتماعية والسياسية لكل مجتمع، بدل افتراض أن وجود بعض العناصر الاقتصادية يؤدي تلقائيًا إلى ظهور الرأسمالية.
وود وماركس
لم تكن وود تريد الابتعاد عن ماركس، بل العودة إلى بعض أكثر أفكاره أهمية.
فماركس لم يدرس الرأسمالية باعتبارها نظامًا اقتصاديًا أبديًا، وإنما باعتبارها شكلًا تاريخيًا محددًا من علاقات الإنتاج.
وهذا الجانب من فكر ماركس كان بالنسبة إليها أساسيًا.
كما رفضت تحويل الماركسية إلى نظرية تقول إن كل المجتمعات تمر بالمراحل نفسها بالترتيب نفسه.
فالمادية التاريخية، في تصورها، لا تعني أن التاريخ يسير وفق جدول جاهز، وإنما تعني دراسة كيفية تشكل العلاقات الاجتماعية من خلال الإنتاج والملكية والصراع الطبقي والمؤسسات السياسية.
الماركسية السياسية
ارتبط اسم وود بما أصبح يعرف باسم الماركسية السياسية، وهو اتجاه حاول إعادة التركيز على العلاقات الاجتماعية والصراع الطبقي باعتبارهما عناصر أساسية في تفسير التحولات التاريخية.
ومن وجهة النظر هذه، لا يكفي أن نقول إن هناك اقتصادًا وسوقًا وتكنولوجيا.
علينا أن نسأل:
من يملك؟
من يعمل؟
من يسيطر؟
كيف يتم استخراج فائض الإنتاج؟
ما الحقوق التي يملكها كل طرف؟
وكيف تتغير هذه العلاقات من خلال الصراع الاجتماعي والسياسي؟
وهذه الأسئلة تجعل التاريخ أكثر تعقيدًا، لكنها في الوقت نفسه تجعله أكثر واقعية.
ماذا تعني أفكار وود اليوم؟
ربما تبدو أفكار وود مرتبطة بتاريخ نشأة الرأسمالية، لكنها تحمل دلالة معاصرة كبيرة.
ففي عالم اليوم، ما زال هناك صراع حول ملكية الأرض والسكن والموارد الطبيعية والعمل.
وما زالت الخدمات العامة تتحول في بعض الحالات إلى مجالات للاستثمار والربح.
وما زالت الشركات تسعى إلى توسيع مجالات السوق لتشمل قطاعات جديدة من الحياة.
ومن هنا يمكن استخدام مفهوم الاعتماد على السوق لفهم قضايا معاصرة كثيرة.
فكلما أصبح الإنسان أكثر اعتمادًا على السوق للحصول على السكن والتعليم والصحة والغذاء والعمل، أصبح أكثر تعرضًا للضغوط التي يفرضها السوق.
هل يمكن تجاوز الرأسمالية؟
إذا كانت الرأسمالية نظامًا تاريخيًا وليست مرحلة طبيعية أبدية، فإن السؤال يصبح:
هل يمكن أن يظهر نظام اجتماعي مختلف؟
لا تقدم وود وصفة جاهزة لهذا النظام.
لكن أهم ما يمكن استخلاصه من مشروعها هو أن تغيير المجتمع يتطلب تغيير العلاقات الاجتماعية التي تجعل السوق قوة مسيطرة على حياة البشر.
فالمشكلة ليست في وجود الأسواق بحد ذاته، وإنما في أن تصبح حياة الإنسان ووسائل إنتاجه واحتياجاته الأساسية خاضعة بصورة متزايدة لمنطق السوق.
ومن هنا يصبح البحث عن بديل للرأسمالية مرتبطًا بإعادة التفكير في الملكية والعمل والديمقراطية والعلاقة بين الاقتصاد والمجتمع.
ما الذي يميز إلين ميكسنز وود؟
تكمن قوة وود في أنها أعادت سؤالًا بسيطًا لكنه بالغ الأهمية إلى قلب النقاش الماركسي:
لماذا ظهرت الرأسمالية أصلًا؟
فبدل التعامل معها باعتبارها النتيجة الطبيعية لتطور البشرية، أعادت وضعها داخل تاريخ محدد من الصراعات والتحولات.
وهذا يغير أيضًا نظرتنا إلى المستقبل.
فإذا لم تكن الرأسمالية حتمية في الماضي، فمن الصعب اعتبارها حتمية في المستقبل.
لكن هذا لا يعني أن تجاوزها سهل، ولا يعني أن أي بديل سيكون بالضرورة أفضل.
إنما يعني أن التاريخ لا يغلق الباب أمام الإمكانات الأخرى.
كانت إلين ميكسنز وود واحدة من أهم المفكرين الذين حاولوا إعادة التاريخ إلى قلب التحليل الماركسي.
فهي لم تنظر إلى الرأسمالية باعتبارها نتيجة طبيعية لوجود التجارة والأسواق، وإنما باعتبارها نتاجًا لتحولات محددة في علاقات الملكية والطبقات والسلطة.
ومن خلال التركيز على التجربة الإنجليزية، أوضحت أن ظهور الرأسمالية ارتبط بظروف تاريخية خاصة جعلت المنتجين يعتمدون بصورة متزايدة على السوق من أجل البقاء.
وهنا تكمن أهم مساهماتها الفكرية:
الرأسمالية ليست مجرد وجود السوق، وليست نتيجة حتمية لتطور التجارة، وإنما نظام اجتماعي تاريخي نشأ في ظروف محددة.
ولهذا فإن فهم بدايتها يساعدنا على فهم طبيعتها، وفهم طبيعتها يفتح الباب أمام التفكير في مستقبلها.
وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم في مشروع إلين ميكسنز وود:
ما نشأ تاريخيًا ليس بالضرورة قدرًا أبديًا.
فكما أن الرأسمالية لم تكن موجودة دائمًا، فإن السؤال عن إمكانية بناء مجتمع يتجاوزها يظل سؤالًا مفتوحًا.
