أخبارالعرب وافريقياعاجلملفات

صوماليلاند تراهن على “الشرعية” من إسرائيل وترمب مقابل القواعد في بربرة

كتب: هانى الكنيسى 

المقابلة الخاصة التي نشرتها مجلة ‘إيكونوميست’ البريطانية مع رئيس إقليم ‘صوماليلاند’ (أو أرض الصومال) الانفصالي، عبد الرحمن محمد عبد الله، المعروف إعلاميًا بلقب “إيرو” Irro، تستحق قراءة ما بين سطورها والتأمل في دلالات ما ورد بها من تصريحات.

رئيس الإقليم الذي يتمتع بموقع جغرافي استراتيجي على خليج عدن بالبحر الأحمر، والذي أعلن الانفصال عن الصومال عام 1991 ولم يحصل على اعتراف رسمي إلا من إسرائيل، عرض على الولايات المتحدة وإسرائيل إنشاء قواعد عسكرية في بربرة، قائلاً: “رسالتنا هي أننا شريك مسؤول في الأمن والتجارة”. 

توقيت العرض ونوعه يتجاوزان طموح رئيس إقليم يبحث منذ 35 عاماً عن اعتراف دولي، إلى اعتبارات وتعقيدات إقليمية قد توسع دائرة الحروب الجارية في المنطقة أو تشعل حربا جديدة تضاف إلى قائمة مآسيها. 

“إيرو” يدرك أن الموقع الجغرافي لصوماليلاند، في ظل تطورات الحرب على إيران وأزمة مضيق هرمز واضطراب الملاحة في البحر الأحمر وهجمات الحوثيين، أصبح أكثر قيمة من أي وقت مضى.

وفي بؤرة هذه القيمة، ميناء بربرة الواقع على بعد نحو 160 كيلومتراً من اليمن، والذي يمثّل ورقة جيوسياسية تتنافس على امتلاكها القوى الدولية الكبرى وتحت مظلتها إسرائيل، وتخشى فقدانها دول الجوار وقوى إقليمية؛ على رأسها مصر والسعودية وتركيا. 

المفارقة أن هذه المبادرة تأتي بعد أقل من عام على اعتراف إسرائيل في 26 ديسمبر 2025، بصوماليلاند دولة مستقلة وذات سيادة، في خطوة وصفها النتنياهو آنذاك بأنها “تعزيز لروح اتفاقات إبراهيم”. وفي المقابل، قام “إيرو” -في يونيو الماضي- بأول زيارة رسمية إلى إسرائيل، حيث استقبله الرئيس ‘إسحاق هرتسوغ’، وافتتحت صوماليلاند سفارتها في القدس، بكلمة كاشفة من رئيسها: “نتحدث مع قادة العالم منذ 35 عاماً، لكن الدولة الوحيدة التي رغبت في رؤيتنا والاعتراف بدولتنا هي إسرائيل”. 

والواقع أن الدبلوماسي السابق الذي تولى رئاسة الإقليم (الانفصالي) في ديسمبر 2024، يريد من دولة الاحتلال أكثر من مجرد الاعتراف الدبلوماسي. 

إنه يحلم بتكرار النموذج الذي جعل من جيبوتي مركزاً عسكرياً واقتصادياً بالغ الأهمية في القرن الأفريقي، عبر الجمع بين القواعد الأجنبية والموانئ والتجارة. فيظهر ذلك جليًا في حديثه الصحفي مع ‘الإيكونوميست’، حين يشير إلى أن نحو 125 مليون دولار تتدفق سنوياً إلى خزينة جيبوتي من رسوم القواعد العسكرية الأجنبية، فيما تعتمد إثيوبيا الدولة الحبيسة، على موانئ جيبوتي في معظم تجارتها الخارجية.

“إيرو” يريد المعادلة نفسها: قواعد عسكرية تؤمّن الحماية وتدر المال وتجلب النفوذ، وميناء حديث يجذب التجارة والاستثمارات. ولهذا يضغط على أديس أبابا لتحويل جزء من تجارتها الخارجية (التي تحتكرها جيبوتي) إلى بربرة، خصوصاً بعدما طورت الإمارات الميناء عبر شركة “موانئ دبي العالمية” DP باستثمارات إنشائية وتشغيلية بقيمة 442 مليون دولار 

وهنا تصبح إسرائيل والولايات المتحدة جزءاً من معادلة جيوسياسية تتجاوز الحسابات التجارية والاعتبارات السياسية. فالميناء لا يقع فقط على طريق تجاري بحري مهم، وإنما قبالة اليمن .. وهو ما اعتبره محلل عسكري من King’s College London يتيح “نقلة نوعية لتوفير مزايا غير محدودة في مراقبة النشاط البحري للحوثيين (ومن خلفهم إيران)، أو ردعه أو تعطيله”. 

ورغم أن “إيرو” نفى في المقابلة -التي أجراها خلال زيارته الأخيرة لنيروبي- وجود قواعد إسرائيلية أو أمريكية قائمة بالفعل على أرض الصومال حتى الآن، فإن الشواهد الميدانية تجعل ذلك النفي محاطًا بالشبهات. 

إذ نشرت صحيفة ‘لوموند’ Le Monde الفرنسية، في يوليو الماضي، تقريراً يستند إلى صور أقمار صناعية كشف عن أعمال توسعة “جارية” في مطار بربرة منذ أكتوبر 2025، موضحًا -بعبارة صريحة- أن المنشآت مهيهأة لأن تتحول إلى “قاعدة عسكرية محتملة لحلفاء صوماليلاند الثلاثة؛ الإمارات والولايات المتحدة وإسرائيل”. 

والمعروف -وفقًا للعديد من التحقيقات المنشورة في الإعلام الغربي والعبري- أن أبوظبي التي حصلت في عام 2017 على موافقة لإنشاء قاعدة عسكرية في بربرة -قبل أن يتحول الموقع لاحقاً إلى استخدام مدني- استثمرت بغزارة في الميناء والمطار والمنطقة الحرة، كما واصلت تدريب قوات صوماليلاند وتزويد جيشها الصغير بالمعدات العسكرية. 

وهنا تكمن التحديات بالنسبة لدول المنطقة وقواها الإقليمية البارزة.  

فمصر لا تنظر إلى بربرة باعتبارها قضية انفصال صومالية فحسب؛ بل باعتبارها جزءاً من إعادة ترتيب موازين القوى في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهي منطقة ترتبط مباشرة بأمن قناة السويس وبالتنافس مع إثيوبيا. وقد سارعت القاهرة إلى رفض الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند، كما كان لها دور ملموس في حشد موقف إقليمي أوسع، أدى إلى صدور البيان العربي-الإسلامي المشترك الذي وقّعته 21 دولة وجهة عربية وإسلامية وأفريقية (من بينها مصر والسعودية وتركيا والصومال وجيبوتي واليمن وقطر وعُمان والعراق)، يدين اعتراف إسرائيل بصوماليلاند ويعتبره انتهاكا للقانون الدولي، ويؤكد الدعم الكامل لسيادة جمهورية الصومال ووحدة وسلامة أراضيها. 

والسعودية التي تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي والاقتصادي، لا تبدو مستعدة لرؤية قوة إسرائيلية (أو إماراتية) تقترب أكثر من الممرات البحرية المقابلة لسواحلها، خصوصاً في لحظة تتشابك فيها الحرب الإيرانية مع أمن الملاحة والطاقة. لذلك اعتبرت الخارجية السعودية الخطوة الإسرائيلية “تكريسًا لإجراءات انفصالية أحادية تخالف القانون الدولي”. 

أما تركيا، التي تُعد أبرز داعمي الدولة الصومالية، وتملك حضوراً عسكرياً واقتصادياً كبيراً في مقديشو، ولعبت دور الوسيط في النزاع الذي فجّره اتفاق أديس أبابا مع صوماليلاند بشأن الوصول إلى البحر، فلم يكن رد فعلها على الاعتراف الإسرائيلي أقل حدة، كما ظهر في بيان خارجيتها الذي اتهم إسرائيل مباشرةً بـ”التدخل الصريح في الشؤون الداخلية للصومال”. 

ومن هنا يمكن فهم لماذا تبدو مبادرة “إيرو” أخطر من مجرد محاولة للحصول على اعتراف أمريكي أو دعم عسكري إسرائيلي. 

صحيح أن “بربرة” يمكن أن تمنح صوماليلاند المال والقواعد والاستثمارات والاعتراف الدولي -إذا وافقت واشنطن، لكن الثمن قد يكون انتقالها من إقليم يبحث عن مقعد في الأمم المتحدة إلى ساحة صراع ملتهبة؛ تتقاطع فيها حسابات إسرائيل والولايات المتحدة والإمارات وتركيا ومصر والسعودية وإثيوبيا والحوثيين (إيران)، وتنذر بحرب جديدة.

زر الذهاب إلى الأعلى