متنوعات

محمود أمين العالم: كيف حاول تجديد الفكر الماركسي من داخل الواقع العربي؟

بقلم:سمير سليم

عندما نتحدث عن تجديد الفكر الماركسي في القرن العشرين فإننا غالبًا ما نتجه إلى أوروبا وروسيا وأمريكا، ونبحث عن المفكرين الذين حاولوا إعادة قراءة ماركس في ضوء التحولات التي شهدها العالم. لكن هناك تجربة عربية مهمة لا يمكن تجاوزها، وهي تجربة المفكر المصري محمود أمين العالم.

لم يكن العالم مجرد مفكر يساري أو ناقد أدبي، وإنما كان مشروعه الفكري أوسع من ذلك بكثير. فقد حاول أن يطرح سؤالًا ظل حاضرًا في معظم كتاباته:

كيف يمكن للفكر الماركسي أن يصبح أداة لفهم الواقع العربي، بدل أن يتحول إلى مجموعة من القوالب الجاهزة التي يجري إسقاطها على هذا الواقع؟

وهنا تكمن أهمية محمود أمين العالم.

فقد كان يرى أن الماركسية ليست مجموعة من الإجابات النهائية، وإنما منهج للنقد والفهم والتغيير. ولذلك ظل التجديد بالنسبة إليه ضرورة مستمرة، لأن المجتمع يتغير، والأسئلة تتغير، وبالتالي لا يمكن للفكر أن يظل ثابتًا أمام واقع متحرك. وتؤكد الدراسات التي تناولت مشروعه أنه كان منشغلًا بتجديد الفكر العربي في أبعاده النظرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأن فهمه للماركسية كان بعيدًا عن الجمود. 

من الفلسفة إلى الماركسية

ولد محمود أمين العالم في القاهرة عام 1922، ودرس الفلسفة في جامعة فؤاد الأول، ثم حصل على درجة الماجستير، وعُيّن مدرسًا مساعدًا في قسم الفلسفة عام 1954. 

لكن اهتمامه بالفلسفة لم يبقَ محصورًا في المجال الأكاديمي، فقد انفتح على قضايا المجتمع والسياسة والثقافة، وأصبح أحد أبرز المثقفين اليساريين في مصر.

وفي خمسينيات القرن العشرين ظهر اسمه بقوة في مجال النقد الأدبي والفكري، خصوصًا من خلال كتابه المشترك مع عبد العظيم أنيس «في الثقافة المصرية»، الذي أصبح من الأعمال البارزة في تاريخ النقد الثقافي المصري الحديث.

لكن الأهم أن العالم لم ينظر إلى الأدب باعتباره عالمًا منفصلًا عن المجتمع.

كان يرى أن العمل الأدبي يحمل داخله رؤية للإنسان والمجتمع والتاريخ، وأن دراسة الأدب لا يمكن أن تنفصل تمامًا عن الظروف الاجتماعية التي ينتج فيها.

ومن هنا أصبح النقد بالنسبة إليه جزءًا من مشروع فكري أوسع.

الماركسية ليست عقيدة جامدة ربما يكون هذا هو المدخل الأهم لفهم محمود أمين العالم.

فهو لم يكن يرى الماركسية باعتبارها عقيدة مغلقة تحتوي على إجابات جاهزة لكل الأسئلة.

بل كان يتعامل معها باعتبارها منهجًا نقديًا يساعد على فهم الواقع وتغييره.

وهذا الموقف جعله شديد الاهتمام بمشكلة الجمود الفكري داخل اليسار.فالفكر الذي يكرر نفسه دون أن يختبر أدواته أمام الواقع يفقد قدرته على تفسير الواقع.

ولهذا كان التجديد عند العالم ليس رفاهية فكرية، وإنما شرطًا لاستمرار الماركسية نفسها.

لقد كان السؤال بالنسبة إليه ليس:كيف نحافظ على النص كما هو؟ وإنما:كيف نحافظ على القدرة النقدية التي جعلت هذا الفكر قادرًا على اكتشاف تناقضات المجتمع؟

وهذا فرق كبير بين الخصوصية والكونية من أهم القضايا التي شغلت محمود أمين العالم العلاقة بين الخصوصية والكونية.

فالمجتمع العربي له تاريخه وتجربته وثقافته وظروفه الخاصة، لكنه في الوقت نفسه لا يعيش خارج التاريخ العالمي.

وهنا كان يرفض موقفين متناقضين.

الأول هو الاعتقاد بأن علينا استيراد النظريات والأفكار كما هي من الخارج، ثم تطبيقها على الواقع العربي.

والثاني هو الاعتقاد بأن للواقع العربي خصوصية تجعله غير قابل لاستخدام المفاهيم الإنسانية العامة.

كان العالم يبحث عن منطقة وسطى أكثر تعقيدًا:

كيف نفهم خصوصية المجتمع العربي من خلال أدوات نظرية قادرة على رؤية ما هو عام وما هو خاص في الوقت نفسه؟

وهذه القضية ظهرت بوضوح في كتابه «الفكر العربي بين الخصوصية والكونية»، الذي تناول قضايا مثل الهوية والدين والسياسة والحرية والعلمانية، كما اهتم بما سماه العلاقة بين الثقافة العربية والنظرية ومشكلة «الهشاشة النظرية» في الفكر العربي. 

مشكلة الهشاشة النظرية

وهنا نصل إلى واحدة من أهم أفكار العالم وأقلها شهرة خارج الدوائر الفكرية.

كان يرى أن أحد أزمات الفكر العربي هو ضعف العلاقة بين النظرية والواقع. فقد نجد أفكارًا كثيرة وشعارات سياسية وثقافية، لكن دون بناء نظري قادر على تفسير الواقع بصورة متماسكة.

وقد أطلق على هذه المشكلة تعبير «الهشاشة النظرية».

والمقصود ليس غياب الفكر، وإنما ضعف القدرة على إنتاج نظرية متماسكة تنطلق من الواقع وتعود إليه.

وهذا النقد مهم جدًا لأنه لا يوجه فقط إلى التيارات المحافظة، وإنما يمكن أن يوجه أيضًا إلى اليسار نفسه.

فالماركسية التي تتحول إلى شعارات محفوظة دون تحليل للواقع العربي تصبح عاجزة عن أداء وظيفتها الأساسية.

النقد والعمل

كان العالم يربط بين الفكر والممارسة بصورة وثيقة.

فالنقد عنده لا ينبغي أن يكون مجرد موقف من الخارج.

ولهذا كان يؤكد أن العمل المسؤول هو المدرسة الحقيقية للنقد المسؤول. 

وهذه الفكرة تعكس موقفًا ماركسيًا واضحًا من العلاقة بين النظرية والممارسة.

فالفكر لا يكتسب قيمته من قدرته على تفسير العالم فقط، وإنما أيضًا من قدرته على المشاركة في تغييره.

لكن هذا لا يعني أن الممارسة يمكن أن تستغني عن النظرية.

على العكس الممارسة من دون تفكير قد تتحول إلى حركة عمياء، والنظرية من دون ممارسة قد تتحول إلى مجرد بناء ذهني منفصل عن المجتمع ولهذا حاول العالم أن يحافظ على العلاقة بين الاثنين.

الثقافة ليست هامشًا من السمات المهمة جدًا في مشروع محمود أمين العالم أنه لم يعتبر الثقافة قضية ثانوية مقارنة بالاقتصاد والسياسة.

فقد كتب في الأدب والفلسفة والنقد والثقافة، واهتم بأعمال نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وصنع الله إبراهيم وغيرهم.

لكن هذا الاهتمام لم يكن خروجًا من السياسة إلى الأدب.

كان يرى أن الثقافة نفسها مجال للصراع الاجتماعي والفكري.

فالطريقة التي ينظر بها المجتمع إلى الإنسان والحرية والعدالة والدين والسلطة ليست منفصلة عن العلاقات الاجتماعية التي يعيشها.

ولهذا كان النقد الأدبي عند العالم جزءًا من مشروعه في نقد المجتمع.

وقد تطور مشروعه النقدي مع الزمن، ولم يبقَ أسير الأفكار التي طرحها في بداياته، وهو ما يعكس إصراره على التجديد وتطوير أدواته مع تغير الواقع. 

من نقد الحاضر إلى إبداع المستقبل هذا العنوان الذي اختاره العالم لأحد أعماله يلخص جانبًا كبيرًا من مشروعه.

فالنقد عنده لم يكن هدفًا في حد ذاته.

لم يكن يريد فقط اكتشاف أخطاء المجتمع أو تناقضاته، وإنما كان يرى أن النقد ينبغي أن يفتح الطريق أمام المستقبل.

وهنا يظهر البعد الإنساني في مشروعه.

فالاشتراكية بالنسبة إليه لم تكن مجرد نظام اقتصادي، وإنما مشروع لتحرير الإنسان من أشكال الاستغلال والقهر والاغتراب.

ولهذا كان مفهوم الإنسان حاضرًا بقوة في كتاباته.

ومن أشهر أعماله كتاب «الإنسان موقف»، إلى جانب «معارك فكرية» و«فلسفة المصادفة»و«الوعي والوعي الزائف في الفكر العربي» و«مفاهيم وقضايا إشكالية» و«مواقف نقدية من التراث». 

العالم والتراث

لم يتعامل محمود أمين العالم مع التراث العربي بمنطق الرفض الكامل أو القبول الكامل.

بل حاول قراءته بصورة نقدية.فالماضي بالنسبة إليه ليس كتلة واحدة يجب تقديسها، ولا عبئًا يجب التخلص منه إنه جزء من تكوين المجتمع، وبالتالي يجب فهمه وتحليله واكتشاف العناصر التي يمكن أن تظل حية في الحاضر، والعناصر التي أصبحت جزءًا من الماضي.

ومن هنا جاء اهتمامه بمفهوم «مواقف نقدية من التراث».

وهذا الموقف ينسجم مع رؤيته العامة للفكر: لا تقديس للماضي، ولا قطيعة عمياء معه.

ماذا عن الديمقراطية والحرية؟

كان من الصعب على العالم أن يفصل قضية الاشتراكية عن قضية الحرية.فالمجتمع الذي يسعى إلى العدالة لا يمكن أن يقوم على إلغاء الإنسان أو مصادرة قدرته على التفكير.

وهنا كان التجديد الماركسي الذي دعا إليه يتضمن إعادة التفكير في العلاقة بين الاشتراكية والديمقراطية والحرية.

فالاشتراكية ليست مجرد تغيير في ملكية وسائل الإنتاج، وإنما تغيير في علاقة الإنسان بالمجتمع والدولة والعمل والثقافة.وهذا يجعل الديمقراطية جزءًا من السؤال الاشتراكي، وليس قضية منفصلة عنه.

العالم وسقوط الاتحاد السوفيتي

جاء انهيار الاتحاد السوفيتي ليضع الماركسيين في العالم أمام أزمة تاريخية عميقة.

لكن أهمية محمود أمين العالم تكمن في أن مشروعه الفكري لم يكن قائمًا على تكرار النموذج السوفيتي باعتباره النموذج الوحيد الممكن للاشتراكية.

فالماركسية عنده أوسع من تجربة دولة بعينها.

ومن هنا يمكن فهم إصراره المستمر على التجديد والنقد. فإذا كانت تجربة تاريخية قد فشلت أو انحرفت، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط كيف ندافع عنها، وإنما: ما الذي حدث؟ ولماذا حدث؟ وما الذي يجب أن نتعلمه؟

وهذه طريقة مختلفة تمامًا عن تحويل التاريخ إلى عقيدة.

مجلة «قضايا فكرية»

من العلامات المهمة في مشروع العالم تأسيسه دورية «قضايا فكرية»، التي جعل منها مساحة للنقاش النقدي حول الفكر العربي، وحرص على أن تضم مساهمات لعدد من أبرز العقول العربية. 

وهذا المشروع يكشف جانبًا آخر من شخصيته الفكرية.

فهو لم يكن يريد أن يحتكر إنتاج الأفكار، وإنما كان يريد خلق مساحة للحوار والنقد.

وكان يرى أن تجديد الفكر لا يمكن أن يتم بواسطة شخص واحد، وإنما يحتاج إلى مجتمع فكري قادر على الاختلاف والنقاش.

ما الذي يميز محمود أمين العالم؟

ربما تكمن أهميته في أنه حاول أن يجعل الماركسية جزءًا من الثقافة العربية الحديثة، وليس مجرد تيار سياسي مستورد.

لقد دخل إلى الماركسية من بوابة الفلسفة، ثم النقد الأدبي، ثم السياسة والثقافة، ثم عاد مرة أخرى إلى الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان والمجتمع والتاريخ.

ولهذا يصعب وضعه في خانة واحدة هو ناقد أدبي، وفيلسوف، ومفكر سياسي، ومثقف يساري، لكن هذه الأدوار كلها كانت بالنسبة إليه أجزاء من مشروع واحد.

مشروع يقوم على فكرة أساسية:

لا يمكن تغيير المجتمع من دون نقد الأفكار التي تبرر أو تعيد إنتاج واقعه.

هل كان مشروعه خاليًا من التناقضات؟

بالطبع لا.

وهذه نقطة مهمة إذا أردنا أن نتعامل مع العالم باعتباره مفكرًا لا باعتباره رمزًا.

فبعض مواقفه السياسية والفكرية ارتبطت بظروف تاريخية محددة، وبعض أفكاره يمكن اليوم إعادة مناقشتها في ضوء ما حدث في مصر والعالم العربي والعالم كله.

كما أن العلاقة بين الماركسية والديمقراطية والثقافة والدولة التي حاول التفكير فيها ظلت مليئة بالتوترات والأسئلة التي لم تجد دائمًا إجابات نهائية.

لكن هذه ليست بالضرورة نقطة ضعف في مشروعه.

فالقيمة الحقيقية للمفكر ليست دائمًا في تقديم الإجابة النهائية، وإنما أحيانًا في طرح السؤال الذي يظل صالحًا للنقاش بعد رحيله.

لماذا يعود محمود أمين العالم اليوم؟

ربما تكون العودة إلى العالم اليوم أكثر أهمية مما تبدو عليه.

فنحن نعيش أزمة في الخطابات السياسية والفكرية.

هناك من يريد استيراد نماذج جاهزة، وهناك من يرفض كل الأفكار القادمة من الخارج باسم الخصوصية، وهناك من يختزل السياسة في الاقتصاد، وهناك من يفصل الثقافة عن المجتمع.

وفي وسط هذه التناقضات تبدو أسئلة العالم حاضرة من جديد: كيف ننتج معرفة تنطلق من واقعنا؟

كيف نفهم العلاقة بين الخصوصية والكونية؟

كيف نطور الماركسية بدل تجميدها؟

كيف نربط النقد بالممارسة؟

وكيف نحول الثقافة من مجال للنخبة إلى جزء من عملية التغيير الاجتماعي؟

هذه الأسئلة تجعل محمود أمين العالم أكثر من مجرد اسم في تاريخ اليسار المصري.

لم يكن محمود أمين العالم مجرد ماركسي مصري دافع عن الاشتراكية في زمن صعودها، ثم ظل متمسكًا بها بعد تراجعها.

الأدق أنه كان واحدًا من الذين حاولوا أن يجعلوا الفكر الماركسي قادرًا على الحوار مع الواقع العربي وتناقضاته.

فهو لم يرد ماركسية جامدة، ولم يرد ثقافة عربية مغلقة على نفسها.

كان يبحث عن طريق يجمع بين الكوني والخاص، بين النظرية والممارسة، بين النقد والإبداع، وبين التراث والمستقبل.

ولهذا فإن أهم ما يمكن أن نتعلمه من مشروعه ربما لا يكون موقفًا سياسيًا محددًا، وإنما طريقة في التفكير:

أن الفكر الذي لا يراجع نفسه يتحول إلى عقيدة، وأن النقد الذي لا يرتبط بالواقع يتحول إلى كلام، وأن الماركسية التي لا تتجدد تفقد قدرتها على فهم العالم الذي تريد تغييره.

ومن هنا تظل قيمة محمود أمين العالم قائمة، ليس فقط باعتباره أحد أبرز رموز اليسار المصري، وإنما باعتباره مفكرًا حاول أن يطرح سؤالًا لا يزال مفتوحًا:

كيف يمكن أن نصنع فكرًا نقديًا عربيًا يستفيد من التجارب الإنسانية الكبرى، لكنه لا يفقد قدرته على رؤية واقعه الخاص؟

وربما هنا تحديدًا يلتقي محمود أمين العالم مع المفكرين الذين تناولناهم في هذه السلسلة، ولكن من موقع مختلف؛ فبينما حاول سمير أمين تفسير علاقة المركز بالأطراف، وانشغلت إلين ميكسنز وود بأصل الرأسمالية، ركز العالم على سؤال آخر لا يقل أهمية:

كيف نفكر نحن في كل ذلك، من داخل واقعنا العربي، دون أن نفقد علاقتنا بالفكر الإنساني العام؟

وهذا هو السؤال الذي يجعل مشروع محمود أمين العالم جديرًا بإعادة القراءة اليوم.

زر الذهاب إلى الأعلى