من ‘شاليط’ إلى رهائن 7 أكتوبر.. قصة “القناة السرية” بين إسرائيل وحماس

كتب: هانى الكنيسى
عبارة “القناة السرية التي لم تقطعها إسرائيل مع حماس حتى في أحلك الظروف” التي اختارتها صحيفة ‘يسرائيل هيوم’ العبرية عنوانًا لتحقيقها المنشور اليوم، تلخص بعض أبرز مفارقات “خبايا” العلاقة غير المرئية بين الخصمين بموازاة الحرب الدائرة بينهما على مدى أربعة عقود.
فبينما كانت إسرائيل تشن حرب إبادة على قطاع غزة؛ هدفها المعلن تفكيك حماس، كان جهازها الأمني يحتفظ بخيط اتصال سري مع أحد أبرز مسؤولي حركة المقاومة.
وبحسب التحقيق، الذي يستند إلى شهادة مسؤول أمني إسرائيلي، فإن قناة اتصال “قديمة” بين جهاز الأمن الداخلي ‘الشاباك’ أو Shin Bet (بالتحديد رئيس الجهاز ‘ رونين بار ‘) والقيادي الحمساوي غازي حمد، أعيد فتحها بعد أسابيع من هجوم 7 أكتوبر.
تلك القناة “السرية” لم تكن مخصصة للمفاوضات السياسية بالمعنى التقليدي، وإنما لتمرير الرسائل مباشرة، والتعامل مع ملفات الرهائن والإمدادات الغذائية، وحل الأزمات التي لا تحتمل انتظار “الوسطاء”.
ويتقاطع ما ذكره هذا التحقيق مع تقرير بثته “القناة 12” العبرية، قبل بضعة أيام، يؤكد أن ‘رونين بار’ لم يكن يتحدث شخصياً، أو هاتفياً، مع القيادي الحمساوي، بل كانت الاتصالات “السرية” تتم دائما عبر مسؤول رفيع في ‘الشاباك’ يتحدث “نيابة” عن رئيس الجهاز، مع غازي حمد، وأنها حظيت بموافقة النتنياهو شخصيًا، ومن جانب حماس حظيت بموافقة خليل الحية الذي كان آنذاك نائباً ليحيى السنوار.
ووفق تلك الرواية، جرت “عشرات المكالمات الهاتفية” بين الطرفين.
تعود جذور العلاقة الخفية إلى صيف 2006، وبالتحديد في 25 يونيو عقب خطف الجندي الإسرائيلي ‘جلعاد شاليط’، وفشل إسرائيل في العثور عليه أو تخليصه عسكرياً، رغم حملتها العنيفة على غزة. فبحثت الاستخبارات الإسرائيلية عن وسيلة لمعرفة مصير الجندي والتفاوض على إطلاقه، وحينها ظهر اسم ‘غيرشون باسكن’ Gershon Baskin الناشط والباحث الإسرائيلي الذي يكن لديه صفة رسمية لكن يتمتع بعلاقات قوية مع شخصيات فلسطينية.
ووفق ‘باسكن’ نفسه، فقد بدأ اتصاله بغازي حمد نائب وزير الخارجية في حكومة حماس، بعد أيام من اختطاف شاليط، ونشأت “قناة خلفية” استمرت سنوات، انتقلت خلالها الرسائل بين الجانبين عبر مكالمات ورسائل إلكترونية ومحادثات سرية، بينما كانت حكومتا تل ابيب وغزة تنفيان علناً وجود أي مفاوضات مباشرة بينهما.
كان حمد قد تعلم العبرية خلال سنوات سجنه في إسرائيل، واكتسب لاحقاً سمعة لدى بعض الإسرائيليين باعتباره أحد أكثر الشخصيات “براغماتية” في حركة المقاومة، وإن ظل “ملتزماً بمبادئ حماس وأيديولوجيتها” -حسب الرواية الإسرائيلية ذاتها.
أما الأمريكي اليهودي ‘غيرشون باسكن’، المولود في نيويورك عام 1956 والمقيم في إسرائيل منذ 1978، فقد أمضى سنوات في العمل على إقامة جسور بين الإسرائيليين والفلسطينيين، تحت شعار البحث عن السلام.

في بداية التواصل السري، كان الهدف محدداً: معرفة ما إذا كان ‘شاليط’ حياً، ثم التفاوض على تحريره. وبعد أقل من ثلاثة أشهر، تمكن ‘باسكن’ من الحصول على رسالة بخط يد الجندي الأسير تثبت أنه على قيد الحياة. وبعدها، استمرت الاتصالات لأكثر من خمس سنوات، حتى تحولت تلك “القناة السرية” إلى عنصر أساسي في المفاوضات التي تولاها من الجانب الإسرائيلي “رسميًا” المسؤول الاستخباري ‘ديفيد ميدان’، ومن الجانب الفلسطيني أحمد الجعبري أحد أبرز قادة الجناح العسكري لحماس آنذاك (وقبلها كان ‘ميدان’ يتعامل خلف الستار مع غازي حمد عبر ‘باسكن’- حسب تحقيق ‘يسرائيل هيوم’). وانتهت المفاوضات في أكتوبر 2011، بإطلاق سراح ‘غلعاد شاليط’ مقابل 1027 أسيراً فلسطينياً، كان بينهم -للمفارقة- القيادي يحيى السنوار، الذي أصبح لاحقاً زعيم حماس في غزة ثم مهندس “طوفان الأقصى” في 7 أكتوبر 2023.
نجاح تجربة “القناة غير الرسمية” بين ‘باسكن’ وحمد، كان مسوّغ استمرارها لأكثر من عقدين، تحت حكومات إسرائيلية مختلفة وخلال جولات متعددة من الحرب والعمليات العسكرية على غزة، “إلى أن تغير الوضع في 7 أكتوبر حين قتل مسلحو حماس نحو 1200 شخص في إسرائيل واختطفوا نحو 250 آخرين، وتحولت الحركة إلى العدو المركزي”، بحسب ما ورد في التحقيق.
واللافت في هذا السياق، أن ‘باسكن’ نفسه أعلن -بعد هجوم 7 أكتوبر- أنه لم يعد يرى حمد بالطريقة التي كان يراه بها سابقاً، خصوصًا بعد أن أطلق القيادي الحمساوي تصريحات اعتبر فيها هجوم 7 أكتوبر “جزءاً من مواجهة أوسع مع العدو”، الأمر الذي دفع ‘باسكن’ إلى اعتبار موقفه “خيانة” لصورة “السياسي البراغماتي” التي كوّنها عنه على مدى سنوات.
وفي ‘نيويورك تايمز’، نشر الصحافي ‘باتريك كينغسلي’ في 19 نوفمبر 2023، مقالًا مطولًا تناول “انهيار” قناة التواصل السرية بين ‘باسكين’ وحمد، بسبب هجمات السابع من أكتوبر وموقف القيادي الحمساوي منها.
ورغم كل ذلك، لم تُغلق “القناة الخلفية” نهائياً. فوفق الرواية الإسرائيلية، “أعيد تفعيل قناة اتصال مباشرة” في أغسطس 2024، بعد واقعة مقتل ستة رهائن إسرائيليين على أيدي مقاتلي حماس بعدما استشعروا اقتراب القوات الإسرائيلية من النفق الذي كانوا محتجزين فيه.
أثارت الواقعة غضباً كبيرًا داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، وبرز استنتاج مفاده أن الاعتماد على مصر وقطر وحدهما لم يعد كافياً، وأن إسرائيل تحتاج إلى “خط مباشر” تستطيع من خلاله إيصال رسائل عاجلة إلى قيادة حماس. ومن غيره يصلح لفتح ذلك الخط؟.

بإيحاءٍ من ‘الشاباك’ الذي أصبح تحت لقيادة جديدة بعد مغادرة ‘رونين بار ‘ في يونيو 2025، عاد ‘غيرشون باسكن’ إلى محاولة إحياء اتصالاته مع غازي حمد في سياق البحث عن ترتيبات لوقف الحرب وإطلاق الرهائن. وفي سبتمبر من العام ذاته، قال ‘باسكن’ إنه نقل إلى حمد مقترحاً لوقف إطلاق النار من إدارة ترمب، بينما نقلت قطر الاقتراح رسمياً إلى قيادة حماس.
وإذا صحّت هذه الرواية، فإن المغزى الأعمق هنا يتعلق بطبيعة “الدولة العميقة” في إدارة الصراع: ليست كل القنوات التي تعمل خلف الستار جزءاً من خطة واحدة، وليست كلها خاضعة لشخص واحد. بعضها استخباري، وبعضها سياسي، وبعضها ينشأ من علاقات فردية ثم يتحول مع الوقت إلى أداة شبه رسمية توظفها الدولة “عند الضرورة”.
