
كتب: سمير سليم
لم يكن إريك أولين رايت يبحث عن وصفة جاهزة لما بعد الرأسمالية، بل كان يحاول الإجابة عن سؤال أكثر صعوبة: كيف يمكن للناس أن يبدأوا بالفعل في بناء مؤسسات مختلفة داخل المجتمع الذي يعيشون فيه؟
ومن هنا أصبحت فكرة البدائل الواقعية محورًا أساسيًا في مشروعه الفكري.
كان يرى أن أي بديل حقيقي يجب أن يحقق ثلاثة شروط أساسية: أن يكون أكثر عدالة، وأن يكون أكثر ديمقراطية، وأن يكون قابلًا للتطبيق في الواقع.
فليس كل ما يبدو جميلًا من الناحية النظرية يمكن أن يتحول إلى مؤسسة اجتماعية ناجحة، كما أن الإصلاحات التي تحسن بعض جوانب الحياة لا تكفي بالضرورة إذا كانت تترك علاقات القوة الأساسية كما هي.
ولهذا حاول رايت البحث عن المساحة الواقعة بين الحلم السياسي والواقع القائم.
التغيير من داخل المجتمع
من أهم أفكار رايت أن التحول الاجتماعي لا يحتاج بالضرورة إلى انتظار لحظة واحدة تقلب النظام كله.
فالمجتمعات يمكن أن تتغير من خلال تراكم مؤسسات وممارسات جديدة.
فإذا ظهرت تعاونية يمتلك العاملون فيها المشروع ويديرونه بصورة ديمقراطية، فإنها تقدم نموذجًا مختلفًا للعلاقة بين العمل والملكية.
وإذا توسعت الخدمات العامة وأصبحت متاحة للجميع، فإنها تقلل من اعتماد الإنسان على السوق.
وإذا شارك العاملون في إدارة المؤسسات التي يعملون فيها، فإن ذلك يوسع الديمقراطية من المجال السياسي إلى المجال الاقتصادي.
هذه التجارب، في نظر رايت، لا تلغي الرأسمالية بمجرد وجودها، لكنها تفتح مساحات داخلها يمكن أن تتطور إلى أشكال اجتماعية أكثر ديمقراطية.
الدولة والسوق والمجتمع
لم يكن رايت يريد استبدال هيمنة رأس المال بهيمنة الدولة.
فهو رأى أن تنظيم الاقتصاد يمكن أن يعتمد على أكثر من آلية، وأن المجتمع الديمقراطي يحتاج إلى توازن بين الدولة والسوق والتنظيمات الاجتماعية.
الدولة تستطيع أن توفر التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والبنية الأساسية.والسوق يمكن أن يؤدي بعض الوظائف في توزيع الموارد.لكن المجتمع المدني والتعاونيات والتنظيمات الشعبية يمكن أن تلعب دورًا أساسيًا في إدارة مجالات أخرى.
ومن هنا تصبح الاشتراكية، في تصور رايت، ليست سيطرة الدولة على كل شيء، وإنما زيادة قدرة المجتمع على التحكم في الموارد والقرارات التي تؤثر في حياته.الديمقراطية الاقتصادية
كان رايت يرى أن الديمقراطية السياسية تظل ناقصة إذا كان المواطن يتمتع بحق التصويت، لكنه يقضي معظم حياته داخل مؤسسات لا يملك أي تأثير في قراراتها.
فالعامل قد يكون مواطنًا حرًا خارج مكان العمل، لكنه داخل المؤسسة قد لا يملك أي سلطة على القرارات المتعلقة بعمله أو وقته أو مستقبله.
ولهذا اعتبر الديمقراطية الاقتصادية امتدادًا طبيعيًا للديمقراطية السياسية.
فالعدالة لا تتعلق فقط بمن يحكم الدولة، وإنما أيضًا بمن يقرر ماذا ننتج، وكيف ننتج، ولمن تذهب ثمار الإنتاج.
هل يمكن تغيير الرأسمالية دون ثورة؟
كان هذا السؤال من أكثر الأسئلة التي أثارت الجدل حول رايت.
فالماركسيون التقليديون قد يرون أن إصلاحات النظام لا تغير طبيعته الأساسية. لكن رايت كان أكثر اهتمامًا بالتجارب التي يمكن أن تغير موازين القوة تدريجيًا.
وكان يرى أن التغيير التدريجي لا يعني الاستسلام للرأسمالية، إذا كان الهدف هو بناء مؤسسات جديدة تتجاوز منطقها تدريجيًا.
فالاشتراكية عنده ليست لحظة واحدة، وإنما يمكن أن تكون عملية طويلة من إعادة توزيع السلطة الاقتصادية والاجتماعية.
وهذا التصور جعله أقرب إلى تيار ديمقراطي اشتراكي، لكنه ظل مرتبطًا بالتحليل الماركسي للصراع الطبقي وعلاقات السلطة والملكية.
ما الذي يميز رايت عن المفكرين الذين سبقوه؟
إذا قارنا رايت بالمفكرين الذين تناولناهم في هذه السلسلة، نجد أن لكل واحد منهم زاوية مختلفة.
سمير أمين اهتم بعلاقات المركز والأطراف. والرشتاين درس النظام العالمي بوصفه منظومة تاريخية.
أريغي درس انتقال مراكز القوة ودورات الهيمنة.
أما رايت فقد عاد إلى سؤال أكثر قربًا من حياة الناس:كيف يمكن أن نغير المجتمع بالفعل؟
وهنا تكمن أهمية مشروعه.
فهو لم يكتفِ بتشخيص الرأسمالية، وإنما حاول التفكير في المؤسسات التي يمكن أن تحل محل بعض وظائفها أو تحد من سيطرتها.
نقد مشروع رايت لكن مشروع رايت لم يخل من المشكلات.
فقد انتقده بعض الماركسيين لأنهم رأوا أن بناء تعاونيات أو مؤسسات بديلة داخل الرأسمالية لا يكفي لتغيير النظام كله.
كما أن المؤسسات البديلة قد تواجه ضغوط السوق والمنافسة، وقد تضطر في النهاية إلى العمل وفق القواعد نفسها التي تحاول تجاوزها.
وهناك سؤال آخر أكثر صعوبة:إذا نجحت بعض التجارب المحلية، فكيف يمكن تعميمها على اقتصاد ضخم ومعقد؟
هذه الأسئلة تكشف أن رايت لم يقدم حلًا نهائيًا، لكنه كان يعرف ذلك أصلًا.
فهدفه لم يكن تقديم مخطط كامل للمستقبل، وإنما إثبات أن التفكير في البدائل يمكن أن ينتقل من مستوى الشعارات إلى مستوى المؤسسات والتجارب الواقعية.
الإرث الفكري لإريك أولين رايت
توفي رايت عام 2019، لكنه ترك وراءه مشروعًا فكريًا ظل مؤثرًا في النقاش حول مستقبل اليسار والاشتراكية.
وقد كانت إحدى أهم مساهماته أنه رفض الاختيار بين خيارين فقط: إما الرأسمالية كما هي، أو ثورة شاملة لا نعرف كيف ستنتهي.
فقد حاول فتح مساحة ثالثة تقوم على بناء مؤسسات أكثر ديمقراطية وعدالة، وتوسيعها تدريجيًا.
وهذا لا يعني أن الطريق سهل، بل يعني أن التغيير الاجتماعي يمكن أن يبدأ من الحاضر بدل أن يبقى مؤجلًا إلى المستقبل
يمثل إريك أولين رايت مرحلة مهمة في تطور الفكر الاشتراكي المعاصر.
فبعد أن ركز ماركس على تحليل الرأسمالية والصراع الطبقي، وبعد أن حاول مفكرون لاحقون تفسير تحولات النظام العالمي وأزماته، جاء رايت ليطرح سؤالًا عمليًا:
إذا كنا نريد مجتمعًا مختلفًا، فما المؤسسات التي يمكن أن نبنيها من الآن؟
لم يرَ الاشتراكية باعتبارها نموذجًا جاهزًا ينتظر لحظة تاريخية مناسبة، بل باعتبارها مشروعًا يمكن أن يبدأ من خلال توسيع الديمقراطية والملكية الاجتماعية والتعاون والمشاركة الاقتصادية.
وقد يختلف المرء مع بعض تصورات رايت، وقد يرى أن البدائل التي اقترحها تواجه صعوبات كبيرة أمام قوة رأس المال والأسواق العالمية، لكن أهمية مشروعه تكمن في أنه حاول أن يعيد إلى الفكر اليساري سؤالًا كان قد تراجع طويلًا:
ليس فقط ما الخطأ في الرأسمالية، وإنما ماذا يمكن أن نبني بدلًا منها؟
وربما تكون هذه هي القيمة الأساسية لإريك أولين رايت: أنه نقل النقاش من انتظار المستقبل إلى محاولة بناء بعض ملامحه في الحاضر، ومن نقد النظام القائم فقط إلى البحث عن مؤسسات يمكن أن تجعل المجتمع أكثر عدالة وديمقراطية.
وهكذا يصبح تجاوز الرأسمالية، في تصوره، ليس مجرد حلم بعيد، ولا وعدًا بانقلاب تاريخي مفاجئ، وإنما عملية طويلة من بناء البدائل وتوسيعها، حتى يصبح المجتمع قادرًا على امتلاك قدر أكبر من السيطرة على اقتصاده ومستقبله.
