مهدي عامل: هل استطاعت الماركسية أن تفهم المجتمع العربي من داخله؟

بقلم: سمير سليم
عندما نتحدث عن الماركسية في العالم العربي تظهر أمامنا مشكلة أساسية ظلت تشغل أجيالًا من المفكرين والمناضلين:
هل يمكن استخدام نظرية نشأت في أوروبا الصناعية في القرن التاسع عشر لفهم مجتمعات عربية تشكلت في ظروف تاريخية مختلفة؟
هل يكفي أن ننقل مفاهيم ماركس عن الرأسمالية والطبقات والصراع الطبقي إلى المجتمع العربي كما هي؟
أم أن الواقع العربي يحتاج إلى تطوير أدوات التحليل نفسها؟
من هنا تبدأ أهمية مهدي عامل فمهدي عامل لم يكن مجرد مثقف ماركسي لبناني، ولم يكن مجرد عضو في الحزب الشيوعي اللبناني، وإنما كان أحد أبرز المفكرين العرب الذين حاولوا إعادة بناء العلاقة بين الماركسية والواقع العربي على أساس نظري أكثر عمقًا.
كان سؤاله الأساسي هو كيف نفهم المجتمع العربي لا باعتباره مجتمعًا متأخرًا عن النموذج الأوروبي فحسب، وإنما باعتباره جزءًا من تاريخ عالمي تشكل الرأسمالية والاستعمار داخله بصورة مترابطة.
ومن هنا جاءت محاولته لتطوير مفهوم نمط الإنتاج الكولونيالي الذي أصبح واحدًا من أهم المفاهيم في مشروعه الفكري.
مناضل ومفكر
ولد مهدي عامل واسمه الحقيقي حسن حمدان في لبنان عام 1936.
درس الفلسفة في فرنسا وحصل على الدكتوراه ثم عاد إلى لبنان واشتغل بالتدريس والبحث الفكري.
وانضم إلى الحزب الشيوعي اللبناني وأصبح من أبرز مثقفيه.
لكن نشاطه السياسي والفكري لم ينفصل عن مشروعه النظري كان يرى أن الماركسية لا يمكن أن تكون مجرد مجموعة من المفاهيم التي نحفظها ونكررها، وإنما يجب أن تكون أداة لتحليل الواقع الملموس.
ولهذا جاءت كتاباته مرتبطة بصورة مباشرة بقضايا الاستعمار والطائفية والدولة والطبقات الاجتماعية والتحرر الوطني.
وكانت تجربته الفكرية قصيرة نسبيًا، لكنها كانت شديدة الكثافة.
ففي عام 1987 اغتيل مهدي عامل في بيروت، وهو في الحادية والخمسين من عمره.
لكن اغتياله لم ينهِ مشروعه الفكري بل استمرت كتبه في التأثير في أجيال جديدة من الباحثين واليساريين العرب.
المشكلة ليست في أن العرب لم يصبحوا أوروبيين من أهم ما حاول مهدي عامل تفكيكه فكرة أن المجتمعات العربية تمثل مجرد مرحلة متأخرة من الطريق الذي قطعته أوروبا.
وفق هذا التصور تصبح أوروبا هي النموذج، بينما يصبح العالم العربي مجرد مجتمع لم يصل بعد إلى المرحلة التي وصلت إليها المجتمعات الرأسمالية المتقدمة.
لكن عامل رأى أن هذه الطريقة في التفكير تخفي طبيعة العلاقة التاريخية بين المجتمعات العربية والرأسمالية العالمية.
فالمجتمع العربي لم يتطور في فراغ.
لقد دخل في علاقة تاريخية مع الرأسمالية الأوروبية في ظل الاستعمار.
وهذا يعني أن الاستعمار لم يكن مجرد قوة خارجية احتلت الأرض ثم رحلت.
بل ترك آثارًا عميقة في بنية الاقتصاد والمجتمع والدولة.
ومن هنا جاء السؤال:كيف أثّر الاستعمار في طريقة تشكل المجتمع العربي نفسه؟
نمط الإنتاج الكولونيالي
هنا تظهر أهم مساهمات مهدي عامل النظرية.
استخدم مفهوم نمط الإنتاج الكولونيالي لمحاولة فهم طبيعة المجتمعات التي تشكلت تحت السيطرة الاستعمارية.
ولم يكن المقصود أن هناك نموذجًا واحدًا مطابقًا في كل بلد عربي.
بل كان يحاول تطوير أداة تساعد على فهم العلاقة بين البنية الاجتماعية المحلية وبين الرأسمالية الاستعمارية.
فالاستعمار لم يكن مجرد سيطرة سياسية قد كان أيضًا عملية لإعادة تنظيم الاقتصاد والمجتمع بما يخدم مصالح المركز الاستعماري.
وهذا يعني أن الرأسمالية في الأطراف لم تتشكل بالطريقة نفسها التي تشكلت بها الرأسمالية في المراكز.
وهنا يختلف السؤال جذريًابدل أن نسأل:لماذا لم تتطور المجتمعات العربية مثل أوروبا؟ يصبح السؤال:ما نوع التطور الذي أنتجته علاقتها التاريخية بالرأسمالية والاستعمار؟
وهذا التحول في السؤال كان جوهريًا.
الرأسمالية والاستعمار
كان مهدي عامل يرى أن الاستعمار لا يمكن فصله عن الرأسمالية.
فالرأسمالية الأوروبية عندما توسعت خارج حدودها لم تكن تنقل فقط التجارة ورأس المال، وإنما كانت تعيد تشكيل المجتمعات التي تخضع لها.
تغيرت أنماط ملكية الأرض وتغيرت علاقة الإنتاج وتغيرت وظيفة الزراعة وتحولت بعض الاقتصادات إلى إنتاج المواد التي تحتاج إليها الأسواق العالمية وأصبح الاقتصاد المحلي مرتبطًا بحاجات المركز الرأسمالي.
وهكذا لم يكن الاستعمار مرحلة منفصلة عن تطور الرأسمالية، وإنما كان جزءًا من تاريخ توسعها العالمي.
وهذه الفكرة تجعل مشروع عامل قريبًا من الأسئلة التي طرحها لاحقًا مفكرون مثل سمير أمين حول المركز والأطراف، وإن اختلفت أدواتهما النظرية.
لماذا لا تكفي الماركسية الأوروبية الجاهزة؟
هنا نصل إلى جوهر مشروعه لم يكن عامل يرفض ماركس على العكس تمامًا كان يعتبر الماركسية أداة أساسية لفهم المجتمع لكنه رفض تحويلها إلى قالب جاهز.
فالخطأ في نظره ليس في استخدام مفاهيم ماركس، وإنما في استخدامها بطريقة تفترض أن التاريخ يسير في كل المجتمعات بالطريقة نفسها.
ماركس درس الرأسمالية في ظروف تاريخية محددة.
أما المجتمع العربي فقد تشكل في ظروف أخرى.
ولهذا يجب أن نستخدم النظرية في تحليل الواقع لا أن نجبر الواقع على الخضوع للنظرية.
وهنا تظهر واحدة من أهم أفكار عامل:لا توجد ماركسية حقيقية خارج تحليل الواقع الملموس.
الطبقة والصراع الطبقي
لم يتعامل عامل مع المجتمع العربي باعتباره مجتمعًا بلا طبقات.
بل رأى أن الطبقات موجودة وأن الصراع الطبقي جزء أساسي من فهم المجتمع.
لكن الصراع الطبقي في المجتمعات العربية لا يمكن فهمه من خلال نقل التصنيف الأوروبي بصورة آلية.
فالطبقات العربية تشكلت داخل علاقات اقتصادية وسياسية وتاريخية مختلفة.
كما أن الاستعمار والتبعية لعبا دورًا في تشكيل البنية الطبقية.
ولهذا فإن الصراع الطبقي يتداخل مع الصراع ضد الاستعمار ومع الصراع من أجل الاستقلال الوطني.
وهنا تصبح المسألة الوطنية جزءًا من التحليل الطبقي وليست قضية منفصلة عنه.
التحرر الوطني والاشتراكية
كان هذا من أهم الأسئلة التي شغلت اليسار العربي.
هل يمكن فصل التحرر الوطني عن التحرر الاجتماعي؟
مهدي عامل رفض هذا الفصل.
فالاستقلال السياسي لا يعني بالضرورة التحرر الاقتصادي والاجتماعي.
قد تنتهي السيطرة الاستعمارية المباشرة بينما تستمر أشكال أخرى من التبعية وقد تتغير الدولة بينما تستمر البنية الاقتصادية التي تربط المجتمع بالمركز الرأسمالي العالمي.
ولهذا فإن التحرر الوطني الحقيقي يحتاج إلى تغيير أعمق في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.
وهنا يصبح النضال الوطني والنضال الاجتماعي مرتبطين.
الدولة ليست محايدة
من القضايا المهمة في فكر مهدي عامل أيضًا تحليله للدولة.
فالدولة ليست بالنسبة إليه مؤسسة تقف خارج الصراع الاجتماعي.بل ترتبط بالبنية الطبقية للمجتمع وبالعلاقات التي تنتجها.
ولهذا فإن فهم الدولة العربية يحتاج إلى فهم الطبقات والقوى الاجتماعية التي تتصارع داخلها.
وهذا يختلف عن النظرة التي تتعامل مع الدولة باعتبارها مجرد جهاز إداري محايد.
فالدولة تتأثر بموازين القوى الاجتماعية والاقتصادية.
كما أن شكلها السياسي لا يمكن فصله عن طبيعة المجتمع الذي تعمل داخله.
الطائفية ليست قدرًا أبديًا
ربما تكون هذه من أكثر أفكار مهدي عامل إثارة للجدل والاهتمام.
فقد حاول أن يرفض تفسير الطائفية باعتبارها مجرد نتيجة طبيعية للاختلافات الدينية.
لم يكن يرى أن الطائفية شيء ثابت في المجتمع اللبناني لا يمكن تغييره.
بل حاول تحليلها باعتبارها ظاهرة سياسية واجتماعية مرتبطة ببنية الدولة وعلاقات الطبقات.
فالطائفية عندما تتحول إلى تنظيم سياسي للمجتمع تصبح جزءًا من طريقة توزيع السلطة والمصالح.
وبذلك لا يعود السؤال:لماذا يوجد مسلمون ومسيحيون وطوائف مختلفة؟
بل يصبح:لماذا تتحول هذه الاختلافات إلى علاقات سياسية واجتماعية تحدد شكل الدولة والصراع الاجتماعي؟
وهذا فرق جوهري.الثقافة والوعي لم يكن عامل اقتصاديًا فقط.
كان مهتمًا أيضًا بالفكر والثقافة والأيديولوجيا.
فالطبقات الاجتماعية لا تتحرك فقط وفق مصالحها الاقتصادية المباشرة.
هناك أفكار ومؤسسات ثقافية وخطابات سياسية تساعد على تشكيل الوعي.
ولهذا فإن الصراع الاجتماعي ليس صراعًا على الموارد وحدها.
إنه أيضًا صراع على تفسير الواقع.ومن يملك القدرة على تفسير الواقع يستطيع في كثير من الأحيان التأثير في الطريقة التي يرى بها الناس مصالحهم وموقعهم داخل المجتمع.
مهدي عامل ومشكلة التخلف رفض عامل التعامل مع التخلف باعتباره مجرد نقص في التطور فالدول العربية ليست متخلفة لأنها لم تصل بعد إلى المرحلة التي وصلت إليها الدول الغربية.
بل إن التخلف نفسه يمكن أن يكون نتيجة لعلاقات تاريخية داخل النظام الرأسمالي العالمي.
وهنا يصبح التخلف والتقدم وجهين لعلاقة واحدة.
فوجود مراكز رأسمالية قوية ارتبط تاريخيًا بوجود مناطق أخرى تؤدي أدوارًا مختلفة داخل النظام العالمي.
وهذا يقربه من التحليل الذي قدمه سمير أمين، وإن كان عامل قد بنى مشروعه الخاص حول نمط الإنتاج الكولونيالي.
ماذا أضاف مهدي عامل؟
السؤال الذي طرحناه في بداية المقال يعود هنا:ماذا أضاف مهدي عامل إلى الماركسية؟
لم تكن إضافته أنه اخترع ماركسية جديدة منفصلة عن ماركس.بل حاول أن يجعل الماركسية قادرة على تفسير واقع لم يكن هو الواقع الذي درسه ماركس في القرن التاسع عشر.
فقد نقل مركز الاهتمام من سؤال: لماذا لم تتطور المجتمعات العربية مثل أوروبا؟
إلى سؤال:كيف تشكلت المجتمعات العربية داخل النظام الرأسمالي العالمي والاستعمار؟
وهذا تغيير كبير في طريقة التفكير.لقد حاول أن يجعل الاستعمار جزءًا من التحليل الطبقي.وجعل التبعية جزءًا من تحليل الرأسمالية.
وجعل الطائفية جزءًا من تحليل الدولة والمجتمع.
وربط التحرر الوطني بالتحرر الاجتماعي.
وهكذا أصبح الواقع العربي نفسه موضوعًا للنظرية.
حدود مشروع مهدي عامل
لكن قوة المشروع لا تعني أنه كامل.
فهناك أسئلة لم يحصل مهدي عامل على فرصة كافية لتطوير إجاباتها.
فقد رحل مبكرًا.
كما أن العالم العربي تغير بصورة هائلة بعد وفاته.
انهار الاتحاد السوفيتي.
وتغيرت طبيعة الرأسمالية العالمية.
وتسارعت العولمة.
وتغيرت بنية الطبقات الاجتماعية.
وتراجعت الصناعة التقليدية في بعض المناطق بينما ظهرت قطاعات جديدة.
كما تغيرت أشكال العمل والهجرة والاقتصاد الرقمي.
وهذا يفرض علينا إعادة اختبار مفاهيمه.
هل ما زال مفهوم نمط الإنتاج الكولونيالي قادرًا على تفسير عالم الشركات العابرة للحدود والأسواق المالية العالمية؟
كيف نفهم الصين اليوم؟
وكيف نفهم صعود بعض الدول الآسيوية؟
وكيف نفسر انتقال مراكز صناعية جديدة إلى خارج المراكز الرأسمالية التقليدية؟
هذه أسئلة تحتاج إلى تطوير مشروع عامل لا إلى الاكتفاء بتكراره.
لماذا يبقى مهدي عامل مهمًا؟
تكمن أهميته الأساسية في أنه رفض خيارين متناقضين.
الأول هو التخلي عن الماركسية باعتبارها نظرية أوروبية لا تصلح للعالم العربي.
والثاني هو استخدام الماركسية باعتبارها مجموعة وصفات جاهزة.
اختار طريقًا ثالثًا: استخدام الماركسية لفهم الواقع العربي من داخله وفي علاقته بالنظام العالمي.
وهذا ما يجعل مشروعه حاضرًا حتى اليوم.
فالسؤال الذي طرحه لم ينته.بل ربما أصبح أكثر تعقيدًا.
كان مهدي عامل يؤمن بأن النظرية التي لا تستطيع تفسير الواقع تتحول إلى مجرد عقيدة.
ولهذا لم يكن مشروعه هو الدفاع عن الماركسية كما هي، وإنما الدفاع عن قدرتها على التفكير النقدي.
لم يقل إن المجتمع العربي يجب أن يصبح نسخة من أوروبا.
ولم يقل إن الخصوصية العربية تجعلنا بحاجة إلى التخلي عن التحليل الماركسي.
بل حاول أن يثبت أن الماركسية تصبح أكثر قوة عندما تدخل إلى الواقع وتعيد اكتشاف أدواتها من خلاله ولهذا كان الاستعمار عنده جزءًا من تحليل المجتمع.وكانت التبعية جزءًا من تحليل الرأسمالية.
وكانت الطائفية جزءًا من تحليل الدولة.
وكان التحرر الوطني جزءًا من الصراع الاجتماعي.
وكانت الثقافة جزءًا من الصراع الطبقي.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي تركه مهدي عامل مفتوحًا أمامنا:
هل نستطيع أن نواصل ما بدأه، فنستخدم الماركسية لفهم عالمنا المتغير، أم سنكتفي بتحويل أفكاره هو نفسه إلى نصوص جاهزة نكررها؟
وهنا ربما تكمن المفارقة الأكبر في مشروعه.
فالرجل الذي حذر من تحويل الماركسية إلى عقيدة لا ينبغي أن تتحول أفكاره هو نفسه إلى عقيدة.
قيمة مهدي عامل ليست في أن يقدم لنا الإجابات النهائية.
بل في أنه أجبرنا على طرح السؤال بطريقة مختلفة:
كيف نفهم واقعنا العربي كما تشكل تاريخيًا داخل الرأسمالية والاستعمار، وكيف نغيره انطلاقًا من هذا الفهم؟
وهذا السؤال وحده يكفي لكي يبقى مهدي عامل واحدًا من أهم الأصوات في تاريخ الفكر الماركسي العربي.
