أحمد صادق سعد: حين حاولت الماركسية أن تقرأ مصر من داخل تاريخها

بقلم: سمير سليم
في رحلة البحث عن تجديد الفكر الماركسي، توقفنا عند مفكرين حاول كل واحد منهم أن يواجه سؤالًا مختلفًا.
بعضهم حاول إعادة قراءة الرأسمالية وبعضهم أعاد التفكير في الطبقة والدولةوبعضهم حاول فهم الاستعمار والتبعية.وبعضهم سأل عن علاقة الماركسية بالديمقراطية والثقافة والبيئة لكن عندما نصل إلى التجربة المصرية، يظهر سؤال أكثر تحديدًا:هل يمكن استخدام الماركسية لفهم المجتمع المصري من داخل تاريخه الخاص، أم أن علينا أن نضع التاريخ المصري داخل نماذج نشأت في أوروبا؟
هذا السؤال يقودنا إلى واحد من الأسماء المهمة في تاريخ الفكر الماركسي المصري: أحمد صادق سعد.لم يكن سعد مجرد مناضل شيوعي أو كاتب سياسي، وإنما حاول أن يجعل من الماركسية أداة لقراءة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لمصر.وهنا تكمن أهميته.
من الحركة السياسية إلى البحث في المجتمع
ظهر أحمد صادق سعد في أربعينيات القرن العشرين، وهي فترة كانت مصر فيها تعيش تحولات عميقة.الاحتلال البريطاني ما زال قائمًا.والقضية الوطنية في قلب الحياة السياسية.والملكية الزراعية شديدة التركز.والريف يمثل الجزء الأكبر منزالمجتمع.والتصنيع لا يزال محدودًا.والحركة العمالية في طور الصعود.
وفي هذه البيئة انخرط سعد في الحركة الشيوعية المصرية، وشارك في بناء تنظيمات يسارية كان لها حضور في الحركة العمالية والسياسية.لكن تجربته لم تتوقف عند النشاط السياسيفقد حاول أن يبحث عن البنية الاجتماعية التي أنتجت الواقع المصري نفسه.وهنا بدأ السؤال الماركسي يأخذ شكلًا مختلفًا:ما طبيعة المجتمع المصري؟ وكيف تطور؟ وما علاقة الدولة والملكية وعلاقات الإنتاج بهذا التطور؟
مشكلة استيراد النموذج الأوروبي
كانت إحدى المشكلات التي واجهت الماركسيين في البلدان غير الأوروبية هي كيفية التعامل مع مفهوم التطور التاريخي.
فإذا كانت الرأسمالية الأوروبية قد مرت بمراحل تاريخية محددة، فهل يعني ذلك أن كل المجتمعات يجب أن تمر بالمراحل نفسها وبالترتيب نفسه؟
هذا السؤال لم يكن نظريًا فقط.فالمجتمع المصري لم يكن نسخة من إنجلترا أو فرنسا.لم تعرف مصر التطور الصناعي نفسه.ولم تتشكل فيها الطبقات بالطريقة ذاتها.ولم تكن علاقات الملكية الزراعية والتكوين الريفي مطابقة لما حدث في أوروبا.
كما أن الاستعمار أدخل عنصرًا إضافيًا في تشكيل الاقتصاد والمجتمع.
ومن هنا تصبح محاولة فهم مصر من خلال تاريخها الخاص ضرورة وليست ترفًا فكريًا.
الفلاح في قلب المسألة المصرية
من أهم ما يميز اهتمام أحمد صادق سعد أن الفلاح لم يكن بالنسبة إليه مجرد موضوع سياسي عابر.كان الفلاح عنصرًا أساسيًا في فهم المجتمع المصري.وهذا أمر له دلالة كبيرة.ففي بلد كان الريف يمثل فيه الكتلة الأكبر من السكان، لا يمكن بناء تحليل اجتماعي يبدأ من صورة مجردة للطبقة العاملة الصناعية ويتجاهل الفلاحين.
ولهذا اهتم سعد بمشكلة الأرض والملكية الزراعية وعلاقات الإنتاج في الريف.
وكان السؤال:من يملك الأرض؟ ومن يعمل فيها؟ وكيف تتوزع الثروة الزراعية؟
هذه الأسئلة تقود مباشرة إلى صميم التحليل الماركسي.لكنها في الوقت نفسه تجبر الماركسي على التعامل مع خصوصية المجتمع المصري.
«مشكلة الفلاح»كان كتابه «مشكلة الفلاح» من الأعمال المبكرة التي عكست هذا الاهتمام.
لم يكن الفلاح بالنسبة إلى سعد مجرد كتلة انتخابية أو قوة يمكن استخدامها في الصراع السياسي بل كان جزءًا من بنية اجتماعية واقتصادية لها تاريخها وعلاقاتها الخاصة ومن هنا يصبح الإصلاح الزراعي ليس مجرد توزيع للأراضي، وإنما قضية تتعلق بإعادة تشكيل علاقات اجتماعية واقتصادية كاملة.
وهذه النقطة مهمة جدًا في فهم التجربة المصرية.زفالمسألة الزراعية لم تكن منفصلة عن المسألة الوطنية.والتحرر من الاستعمار لم يكن منفصلًا عن سؤال من يملك الأرض والعدالة الاجتماعية لم تكن منفصلة عن طبيعة الدولة وعلاقتها بالطبقات الاجتماعية الاستعمار ليس احتلالًا سياسيًا فقط في تحليل سعد لم يكن الاستعمار مجرد وجود عسكري أجنبي أحمد صادق سعد: حين حاولت الماركسية أن تقرأ مصر من داخل تاريخها
في رحلة البحث عن تجديد الفكر الماركسي، توقفنا عند مفكرين حاول كل واحد منهم أن يواجه سؤالًا مختلفًا.بعضهم حاول إعادة قراءة الرأسمالية.وبعضهم أعاد التفكير في الطبقة والدولة.وبعضهم حاول فهم الاستعمار والتبعية.وبعضهم سأل عن علاقة الماركسية بالديمقراطية والثقافة والبيئة.
لكن عندما نصل إلى التجربة المصرية، يظهر سؤال أكثر تحديدًا:هل يمكن استخدام الماركسية لفهم المجتمع المصري من داخل تاريخه الخاص، أم أن علينا أن نضع التاريخ المصري داخل نماذج نشأت في أوروبا؟
هذا السؤال يقودنا إلى واحد من الأسماء المهمة في تاريخ الفكر الماركسي المصري: أحمد صادق سعد لم يكن سعد مجرد مناضل شيوعي أو كاتب سياسي، وإنما حاول أن يجعل من الماركسية أداة لقراءة التاريخ الاجتماعي والاقتصادي لمصر.
وهنا تكمن أهميته من الحركة السياسية إلى البحث في المجتمع
ظهر أحمد صادق سعد في أربعينيات القرن العشرين، وهي فترة كانت مصر فيها تعيش تحولات عميقة.الاحتلال البريطاني ما زال قائمًا.والقضية الوطنية في قلب الحياة السياسية.والملكية الزراعية شديدة التركز.والريف يمثل الجزء الأكبر من المجتمع.والتصنيع لا يزال محدودًا.والحركة العمالية في طور الصعود.
وفي هذه البيئة انخرط سعد في الحركة الشيوعية المصرية، وشارك في بناء تنظيمات يسارية كان لها حضور في الحركة العمالية والسياسية لكن تجربته لم تتوقف عند النشاط السياسي.
فقد حاول أن يبحث عن البنية الاجتماعية التي أنتجت الواقع المصري نفسه وهنا بدأ السؤال الماركسي يأخذ شكلًا مختلفًا:ما طبيعة المجتمع المصري؟ وكيف تطور؟ وما علاقة الدولة والملكية وعلاقات الإنتاج بهذا التطور؟
مشكلة استيراد النموذج الأوروبي
كانت إحدى المشكلات التي واجهت الماركسيين في البلدان غير الأوروبية هي كيفية التعامل مع مفهوم التطور التاريخي.
فإذا كانت الرأسمالية الأوروبية قد مرت بمراحل تاريخية محددة، فهل يعني ذلك أن كل المجتمعات يجب أن تمر بالمراحل نفسها وبالترتيب نفسه؟
هذا السؤال لم يكن نظريًا فقط.فالمجتمع المصري لم يكن نسخة من إنجلترا أو فرنسا.لم تعرف مصر التطور الصناعي نفسه.ولم تتشكل فيها الطبقات بالطريقة ذاتها.
ولم تكن علاقات الملكية الزراعية والتكوين الريفي مطابقة لما حدث في أوروبا.كما أن الاستعمار أدخل عنصرًا إضافيًا في تشكيل الاقتصاد والمجتمع.ومن هنا تصبح محاولة فهم مصر من خلال تاريخها الخاص ضرورة وليست ترفًا فكريًا.
الفلاح في قلب المسألة المصرية
من أهم ما يميز اهتمام أحمد صادق سعد أن الفلاح لم يكن بالنسبة إليه مجرد موضوع سياسي عابر.كان الفلاح عنصرًا أساسيًا في فهم المجتمع المصري.وهذا أمر له دلالة كبيرة.ففي بلد كان الريف يمثل فيه الكتلة الأكبر من السكان، لا يمكن بناء تحليل اجتماعي يبدأ من صورة مجردة للطبقة العاملة الصناعية ويتجاهل الفلاحين.ولهذا اهتم سعد بمشكلة الأرض والملكية الزراعية وعلاقات الإنتاج في الريف.
وكان السؤال:من يملك الأرض؟ ومن يعمل فيها؟ وكيف تتوزع الثروة الزراعية؟
هذه الأسئلة تقود مباشرة إلى صميم التحليل الماركسي لكنها في الوقت نفسه تجبر الماركسي على التعامل مع خصوصية المجتمع المصري.
«مشكلة الفلاح»
كان كتابه «مشكلة الفلاح» من الأعمال المبكرة التي عكست هذا الاهتمام.لم يكن الفلاح بالنسبة إلى سعد مجرد كتلة انتخابية أو قوة يمكن استخدامها في الصراع السياسي. بل كان جزءًا من بنية اجتماعية واقتصادية لها تاريخها وعلاقاتها الخاصة.ومن هنا يصبح الإصلاح الزراعي ليس مجرد توزيع للأراضي، وإنما قضية تتعلق بإعادة تشكيل علاقات اجتماعية واقتصادية كاملة.
وهذه النقطة مهمة جدًا في فهم التجربة المصرية فالمسألة الزراعية لم تكن منفصلة عن المسألة الوطنية والتحرر من الاستعمار لم يكن منفصلًا عن سؤال من يملك الأرضوالعدالة الاجتماعية لم تكن منفصلة عن طبيعة الدولة وعلاقتها بالطبقات الاجتماعية.
الاستعمار ليس احتلالًا سياسيًا فقط في تحليل سعد لم يكن الاستعمار مجرد وجود عسكري أجنبي فالاستعمار يعيد تشكيل الاقتصاد نفسه.
وهنا تظهر أهمية الاقتصاد السياسي.فالدولة المستعمرة لا تتدخل في السياسة فقط، وإنما تؤثر في التجارة والزراعة والاستثمار والبنية الاقتصادية وتوزيع الموارد.ومن ثم فإن فهم الاستعمار يحتاج إلى فهم المصالح الاقتصادية التي تقف وراءه.
وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت سعد يهتم بالعلاقة بين التاريخ السياسي ربما يكون هذا من أهم جوانب مشروعه.التاريخ التقليدي كثيرًا ما يركز على الحكام والحروب والقرارات
فالاستعمار يعيد تشكيل الاقتصاد نفسه وهنا تظهر أهمية الاقتصاد السياسي فالدولة المستعمرة لا تتدخل في السياسة فقط، وإنما تؤثر في التجارة والزراعة والاستثمار والبنية الاقتصادية وتوزيع الموارد.ومن ثم فإن فهم الاستعمار يحتاج إلى فهم المصالح الاقتصادية التي تقف وراءه.وهذا هو أحد الأسباب التي جعلت سعد يهتم بالعلاقة بين التاريخ السياسي والتاريخ الاقتصادي والاجتماعي.
من تاريخ الحكام إلى تاريخ المجتمع
ربما يكون هذا من أهم جوانب مشروعه.
التاريخ التقليدي كثيرًا ما يركز على الحكام والحروب والقرارات السياسية.
لكن التحليل الاجتماعي والاقتصادي يسأل أسئلة أخرى:
كيف عاش الناس؟
كيف امتلكوا الأرض؟
كيف عملوا؟
كيف توزعت الثروة؟
كيف تغيرت علاقات الإنتاج؟
كيف ظهرت طبقات اجتماعية جديدة؟
وكيف أثرت هذه التحولات في الدولة والسياسة؟
بهذا المعنى حاول أحمد صادق سعد أن ينقل دراسة التاريخ المصري من التركيز على الأحداث السياسية وحدها إلى دراسة المجتمع الذي أنتج هذه الأحداث.
«تاريخ مصر الاجتماعي الاقتصادي»
بلغ هذا الاتجاه ذروة واضحة في كتابه «تاريخ مصر الاجتماعي الاقتصادي».
وهنا تصبح مهمة المؤرخ مختلفة.
فالتاريخ ليس مجرد تسلسل للأحداث.
إنه تاريخ علاقات اجتماعية واقتصادية تتغير باستمرار.ومن خلال هذا المنظور حاول سعد قراءة تطور المجتمع المصري في علاقته بالملكية والعمل والإنتاج والدولة.
وهذا العمل مهم بالنسبة إلى مشروعنا لأنه يقدم مثالًا مبكرًا على محاولة بناء تحليل ماركسي ينطلق من مادة تاريخية مصرية.ليس السؤال:كيف نطبق ما قاله ماركس على مصر؟
بل:ماذا تكشف لنا دراسة مصر نفسها عندما نستخدم أدوات التحليل الماركسي؟ والفرق بين السؤالين كبير.
نمط الإنتاج الآسيوي
من القضايا النظرية المهمة التي ارتبطت بأعمال أحمد صادق سعد اهتمامه بما عرف في الأدبيات الماركسية بـ نمط الإنتاج الآسيوي.
كانت هذه القضية محل نقاش طويل بين الماركسيين هل تطورت المجتمعات غير الأوروبية وفق المسار الأوروبي نفسه؟
أم أن هناك أشكالًا تاريخية مختلفة لتنظيم الملكية والإنتاج والدولةوكانت مسألة المجتمع المصري من أكثر الحالات التي تثير هذا السؤال.فمصر تمتلك تاريخًا طويلًا من أنظمة الري والزراعة المركزية، وعلاقة وثيقة بين الأرض والدولة، وتكوينات اجتماعية لا يمكن اختزالها بسهولة في النموذج الأوروبي.
لكن أهمية هذه المسألة لا تكمن في اختيار مصطلح نظري بعينه الأهم هو السؤال الذي تقودنا إليه:هل التاريخ الإنساني يسير في طريق واحد؟وهنا تصبح تجربة سعد ذات قيمة تتجاوز مصر نفسها.
الماركسية والتاريخ غير الأوروبي
هذه القضية تقودنا إلى سؤال أوسع.إذا كانت الماركسية قد نشأت في أوروبا الصناعية، فهل يعني ذلك أن مفاهيمها لا تصلح إلا للمجتمعات الأوروبية؟ بالطبع لا.
لكن استخدامها في مجتمعات مختلفة يتطلب فهمًا دقيقًا للتاريخ المحلي.وهنا تأتي مساهمة سعد.لقد حاول أن يستخدم الماركسية لا ككتاب إجابات جاهزة، وإنما كمنهج يبحث من خلاله في العلاقات الاجتماعية والاقتصادية المصرية.وهذه نقطة تلتقي مع ما رأيناه لاحقًا عند مفكرين مثل محمود أمين العالم ومهدي عامل.
أحمد صادق سعد ومحمود أمين العالم
هناك اختلاف واضح بين الرجلين.فالعالم اهتم بدرجة كبيرة بالثقافة والفكر والوعي والتراث وقضايا التجديد الفكري.أما سعد فكان أكثر تركيزًا على التاريخ الاجتماعي والاقتصادي، والريف، والملكية، وعلاقات الإنتاجلكن هناك خيطًا مشتركًا بينهما:رفض التعامل مع الماركسية باعتبارها قالبًا جاهزًا.المطلوب هو استخدام أدواتها لفهم الواقع.وهذا أحد أهم دروس التجربة المصرية المبكرة.الفلاح والطبقة العاملةتفرض تجربة سعد علينا أيضًا مراجعة تصور بسيط عن الطبقات الاجتماعية.فالمجتمع المصري لم يكن مجتمعًا صناعيًا بالمعنى الأوروبي. وبالتالي لم يكن من الممكن التعامل مع الطبقة العاملة وحدها باعتبارها مفتاح المجتمع كله.
كانت هناك طبقات وفئات ريفية واسعة.وكانت الملكية الزراعية قضية مركزية.وكانت العلاقة بين المدينة والريف أساسية في فهم الاقتصاد والسياسة.وهذا يفرض على اليسار أن يبدأ من التركيب الاجتماعي الفعلي للمجتمع الذي يعمل فيه.القضية الوطنية والطبقيةمن هنا أيضًا يمكن فهم العلاقة بين النضال الوطني والنضال الاجتماعي.في البلدان التي عاشت الاستعمار، لا يمكن فصل قضية الاستقلال عن قضية العدالة الاجتماعية بصورة ميكانيكية.
فمن يملك الاقتصاد؟
ومن يسيطر على الموارد؟
ومن يستفيد من علاقات التجارة والاستثمار؟
ومن يتحمل تكاليف التبعية؟
كلها أسئلة تتقاطع مع القضية الوطنية.وهذا جعل الاقتصاد السياسي للاستعمار قضية أساسية في الفكر اليساري المصري.
فلسطين في فكر أحمد صادق سعد
لم يقتصر اهتمام سعد على الشأن المصري فقد كتب مبكرًا عن القضية الفلسطينية والصهيونية والاستعمار، ومن أعماله في هذا المجال «فلسطين بين مخالب الاستعمار».
وهنا تظهر القضية الفلسطينية داخل إطار أوسع بالنسبة إلى اليسار في ذلك الوقت:فهي لم تكن قضية قومية منفصلة عن الصراع الدولي، وإنما ارتبطت في نظر الماركسيين المصريين بالاستعمار والمصالح الاقتصادية والسياسية للقوى الكبرى.
ومن هذه الزاوية أصبحت فلسطين جزءًا من تحليل بنية النظام الاستعماري نفسه.
حدود تجربة أحمد صادق سعد لكن الإنصاف يقتضي ألا نحول سعد إلى مفكر بلا حدود أو تناقضات.
فهو كان ابن عصره.
والحركة الشيوعية المصرية نفسها كانت جزءًا من الحركة الشيوعية العالمية، وتأثرت بصراعاتها ومفاهيمها وأسئلتها.
كما أن النقاش حول «نمط الإنتاج الآسيوي» نفسه لم يكن محسومًا داخل الماركسية، وظل موضوعًا للخلاف النظري.
ولهذا فإن قيمة سعد لا تكمن في أن كل استنتاجاته أصبحت نهائية.
بل في أنه طرح السؤال الصحيح:
كيف نقرأ المجتمع المصري قراءة مادية وتاريخية لا تستنسخ التجربة الأوروبية؟
وهذا السؤال لا يزال صالحًا.ماذا أضاف أحمد صادق سعد؟
إذا أردنا أن نحدد إسهامه في سطر واحد، يمكن القول:حاول أن يجعل الماركسية تتعلم من التاريخ المصري بدل أن تجعل التاريخ المصري تابعًا لنموذج ماركسي جاهز.
وهذا إنجاز مهم في حد ذاته.
لقد أعاد الاهتمام إلى الأرض والفلاح والملكية والدولة والاستعمار وعلاقات الإنتاج.
وحاول أن يرى التاريخ المصري باعتباره تاريخ مجتمع كامل، لا مجرد تاريخ حكام وأحداث سياسية.
كما فتح نقاشًا حول مدى صلاحية التصنيفات التاريخية الأوروبية لفهم مجتمعات مثل مصر.
لماذا نحتاج إلى قراءة أحمد صادق سعد اليوم؟
لأن السؤال الذي واجهه لم يختف.فمصر اليوم مختلفة تمامًا عن مصر التي كتب عنها.
المجتمع تغير.والاقتصاد تغير.والصناعة والزراعة والخدمات تغيرت.والدولة تغير دورها.والاقتصاد العالمي تغير.
والرأسمالية نفسها انتقلت إلى مرحلة جديدة تتداخل فيها التكنولوجيا والمال والأسواق العالمية.
لكن السؤال الأساسي لا يزال موجودًا:كيف نفهم مصر من داخل واقعها التاريخي والاجتماعي والاقتصادي، دون أن نعزلها عن النظام الرأسمالي العالمي؟
وهنا يمكن أن نرى أهمية الجمع بين أكثر من مستوى من التحليل.لا يكفي أن ندرس مصر وحدها ولا يكفي أن ندرس النظام العالمي وحده.ل علينا أن نفهم العلاقة بين الاثنين وهذه المسألة ستقودنا لاحقًا إلى مفكرين مثل سمير أمين، الذي جعل علاقة المركز بالأطراف والتبعية واحدة من القضايا الأساسية في مشروعه.
من أحمد صادق سعد إلى سمير أمين
اذا كان سعد قد حاول أن يسأل:كيف نفهم تطور المجتمع المصري من داخله؟
فإن سمير أمين وسع السؤال إلى مستوى آخر:كيف نفهم موقع مصر والمجتمعات العربية داخل النظام الرأسمالي العالمي؟
وهكذا نرى تطورًا مهمًا في الفكر اليساري المصري والعربي.
من دراسة الأرض والملكية والفلاح والدولة في مصر، إلى دراسة التبعية والمركز والأطراف والرأسمالية العالمية.ليست هذه قطيعة بين جيلين.بل يمكن النظر إليها باعتبارها انتقالًا من مستوى إلى مستوى آخر في محاولة فهم الواقع.
الخاتمة
ربما لا يكون أحمد صادق سعد أشهر الأسماء التي يعرفها القارئ العربي اليوم.
لكن أهميته لا تقاس بحجم حضوره في وسائل الإعلام أو بعدد الكتب التي تتحدث عنه.
أهميته تكمن في سؤال ظل حاضرًا في الفكر اليساري المصري منذ منتصف القرن العشرين:
هل تستطيع الماركسية أن تصبح أداة لفهم المجتمع المصري، أم ستظل مجرد مجموعة من المفاهيم المستوردة؟
حاول سعد أن يجيب بالفعل قبل أن يجيب بالكلام ذهب إلى التاريخ المصري.وذهب إلى الريف.وإلى الفلاح.وإلى الأرض والملكية.
وإلى الدولة.وإلى الاستعمار وحاول أن يقرأ كل ذلك من خلال علاقات اجتماعية واقتصادية متحركة. اولهذا فإن قيمته بالنسبة إلينا اليوم ليست في البحث عن «ماركسية مصرية مكتملة» عنده، فهذا سيكون تحويلًا لتجربته إلى عقيدة جديدة.لقيمة الحقيقية أنه فتح بابًا يجب ألا يغلق:ان يكون الواقع هو نقطة البداية.فالاشتراكية التي لا تفهم المجتمع الذي تريد تغييره تتحول إلى شعارات.
والماركسية التي تكتفي بتكرار نصوصها تفقد قدرتها النقدية.
أما الفكر الذي يبدأ من الواقع، ويستخدم النظرية لفهمه، ثم يعود إلى النظرية نفسها لينقدها ويطورها، فهو الذي يظل قادرًا على الحياة.ومن هنا يمكن أن نفهم موقع أحمد صادق سعد في تاريخ التجديد الماركسي المصري.
لم يكن مجرد ناقل للماركسية إلى مصر.كان أحد الذين حاولوا أن يجعلوا مصر نفسها موضوعًا للنظرية.
