أخبارإبداعات عربيةالشرق قادمالعرب وافريقياعاجلمقالاتملفات

ميشيل كامل.. المناضل الذي عاش حلم التغيير حتى المنفى  – الجزء الأول-

 بقلم : سمير سليم

هناك شخصيات في تاريخ اليسار المصري لا يكفي أن نتذكر أسماءها، بل ينبغي أن نعيد اكتشاف تجاربها وأفكارها، خصوصا في زمن نحتاج فيه إلى مراجعة تاريخ الحركة اليسارية، لا بهدف تمجيد الماضي، وإنما لفهم أسباب تعثر مشروعات التغيير، والبحث عن طريق جديد للمستقبل.

ومن هذه الشخصيات ميشيل كامل، المناضل الشيوعي والمفكر والصحفي المصري، الذي ارتبط اسمه بجيل آمن بأن الاشتراكية ليست مجرد نظرية اقتصادية، بل مشروع لتحرير الإنسان من الاستغلال والاستعمار والتبعية.

لم تكن حياته طريقا مستقيما من النجاح إلى النجاح. فقد عرف الصراع السياسي، ومر بتجارب صعبة، وعاش سنوات طويلة خارج وطنه. لكنه ظل منشغلا بقضايا مصر والعالم العربي، وبالسؤال الذي شغل أجيالا من اليسار: كيف يمكن تحويل أفكار العدالة الاجتماعية والتحرر الوطني إلى قوة قادرة على تغيير الواقع؟

من الانتماء الشيوعي إلى العمل الفكري

ينتمي ميشيل كامل إلى جيل من اليساريين المصريين الذين تشكل وعيهم في ظل الاستعمار والصراع الاجتماعي، وفي عالم كانت الاشتراكية فيه تقدم نفسها باعتبارها بديلا للرأسمالية والاستغلال.

لم يكن العمل السياسي بالنسبة إلى هذا الجيل مجرد نشاط حزبي أو مشاركة في الانتخابات. كان ارتباطا بقضايا التحرر الوطني، والعمال، والفلاحين، والعدالة الاجتماعية، وبمحاولة فهم المجتمع المصري في سياق التحولات العالمية.

وانخرط ميشيل كامل في الحركة الشيوعية، وشارك في العمل الفكري والصحفي، حتى أصبح من الأسماء المرتبطة بالتيار الماركسي المصري. كما ارتبط اسمه بمجلة «الطليعة»، التي كانت من المنابر الفكرية المهمة في مناقشة قضايا الاشتراكية والتحرر الوطني.

لكن أهمية ميشيل لم تكن في انتمائه السياسي وحده، بل في إيمانه بأن الحركة التي تريد تغيير المجتمع لا بد أن تنتج معرفة، وأن تربط النظرية بالواقع، وألا تكتفي بتكرار الشعارات مهما كانت نبيلة.

بيروت.. حين أصبح المنفى منبرا للعمل

اضطر ميشيل كامل إلى مغادرة مصر، واستقر في بيروت، ثم انتقل بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 إلى باريس، حيث واصل نشاطه الفكري والسياسي حتى وفاته.

لم يكن المنفى بالنسبة إليه نهاية العلاقة بالوطن، بل تحولا قاسيا في شكل هذه العلاقة.

فمن خارج مصر، واصل متابعة قضاياها، ونشر كتاباته، وشارك في النقاشات المتعلقة بمستقبل اليسار المصري والعربي. وأصدر مجلة «كتابات مصرية»، ثم مجلة «اليسار العربي»، التي حملت مشروعا يدعو إلى جبهة وطنية ديمقراطية عربية، ترتبط بالتحرر والتقدم الاجتماعي.

وهنا تظهر إحدى سمات تجربته: لم يتعامل مع المسافة الجغرافية باعتبارها مبررا للابتعاد عن أسئلة بلاده، بل حاول أن يجعل الكتابة وسيلة لاستمرار حضوره في النقاش العام.

ومع ذلك، لا ينبغي أن نرسم صورة مثالية للمنفى. فالعمل من الخارج يتيح أحيانا حرية أكبر في التعبير، لكنه يطرح أيضا أسئلة صعبة عن الصلة بالواقع اليومي للناس، وعن القدرة على تحويل الأفكار المنشورة إلى تنظيم سياسي واجتماعي داخل الوطن.

وهذه ليست ملاحظة تخص ميشيل كامل وحده، بل سؤال واجه قطاعات واسعة من المعارضة المصرية التي اضطرت إلى العمل خارج البلاد.

ميشيل كامل ومشكلة تجديد اليسار

تكتسب تجربة ميشيل كامل أهمية إضافية عندما ننظر إليها في سياق أزمة الحركة الشيوعية واليسارية في مصر والعالم.

فالأجيال التي راهنت على الاشتراكية واجهت تحولات كبيرة: تغيرات في بنية الطبقة العاملة، وصعود قوى سياسية واجتماعية جديدة، وأزمات داخل الأحزاب الشيوعية، ثم انهيار الاتحاد السوفيتي وما أثاره من أسئلة حول مستقبل المشروع الاشتراكي.

لم تكن هذه التحولات مجرد أحداث خارجية. لقد فرضت على اليسار مراجعة مفاهيمه وتنظيماته وتحالفاته، والبحث عن إجابات جديدة لعلاقة الاشتراكية بالديمقراطية، وبالحريات العامة، وبالتعددية السياسية، وبالتحرر الوطني.

وفي هذا السياق، كان ميشيل كامل من الذين ظلوا منشغلين بمسألة التجديد. ويشير كريم مروة، في مقاله عن ميشيل كامل في «الأهرام»، إلى أنه كان في سنواته الأخيرة يسعى إلى أفكار جديدة تعيد الاعتبار إلى التجديد في الفكر والعمل، بدلا من الاكتفاء بالاستنتاجات السريعة أمام أزمة الحركة اليسارية.

وهذا الجانب مهم في فهم الرجل. فالتعلق بالمبادئ لا ينبغي أن يعني الجمود، كما أن مراجعة التجارب لا تعني التخلي عن الأهداف.

إن الحركة السياسية التي لا تراجع أدواتها قد تجد نفسها متمسكة بإجابات قديمة عن أسئلة تغيرت، بينما الحركة التي تتخلى عن مبادئها عند أول أزمة تفقد السبب الذي يجعلها مختلفة عن القوى الأخرى.

والتحدي الحقيقي هو الجمع بين الثبات على قيم التحرر والعدالة الاجتماعية، والقدرة على تجديد الفكر والتنظيم وأساليب النضال.

خلافه مع رفعت السعيد.. أكثر من اختلاف شخصي

عندما ننتقل إلى علاقة ميشيل كامل برفعت السعيد، فإننا ندخل إلى مساحة أكثر حساسية من تاريخ اليسار المصري.

فقد كان الرجلان جزءا من تاريخ الحركة الشيوعية، لكنهما اختلفا في تقدير بعض المواقف والأساليب السياسية. وتكشف رواية رفعت السعيد عن خلاف يتعلق بالعمل المسلح في الخارج، وبمجموعة من الشباب الذين قال إن ميشيل كامل شارك في ترتيب تدريبهم في بيروت، في وقت كان السعيد يرفض هذا الاتجاه.

هذه الرواية تستحق الدراسة، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى حكم نهائي على ميشيل كامل من دون فحص مصادر أخرى، ومعرفة الظروف التي أحاطت بالأحداث، وما إذا كانت هناك شهادات مستقلة أو وثائق تؤيد تفاصيلها أو تختلف معها.

فالمطلوب ليس اختيار أحد الرجلين وإدانة الآخر، وإنما فهم طبيعة الخلاف: ما الذي كان يراه كل منهما ممكنا؟ وما المخاطر التي كان يخشاها؟ وهل كان الاختلاف متعلقا بالمبدأ، أم بتقدير الوسيلة، أم بكليهما؟

هذه الأسئلة مهمة لأن تاريخ اليسار لا يتكون من الأفكار والبرامج وحدها، بل من قرارات اتخذها أشخاص في ظروف بالغة التعقيد، وكانت لهذه القرارات نتائج على حياتهم وعلى حياة آخرين.

ما الذي يبقى من تجربة ميشيل كامل؟

توفي ميشيل كامل في باريس، بعد حياة امتدت بين مصر وبيروت والمنفى الفرنسي، لكنه ترك وراءه تجربة تستحق أن تُقرأ في سياقها التاريخي والفكري.

ولا ينبغي أن تكون غاية الكتابة عنه استعادة صورة المناضل الذي لم يخطئ، أو تحويل حياته إلى حكاية بطولية تخلو من الأسئلة. الأجدى هو أن نبحث في أفكاره ومواقفه، وفي ما أصاب فيه وما أخفق، وفي الظروف التي صنعت اختياراته.

فالتاريخ الذي لا يسمح بالنقد يتحول إلى ذاكرة مغلقة، بينما التاريخ الذي نعيد فحصه يستطيع أن يساعدنا على فهم الحاضر.

ومن هنا فإن استعادة ميشيل كامل ليست مجرد عودة إلى اسم من الماضي، بل فرصة لمناقشة أسئلة ما زالت مطروحة: كيف نحافظ على استقلال الفكر والتنظيم؟ وكيف نربط النضال الوطني بالعدالة الاجتماعية؟ وكيف نجدد اليسار من دون أن نفقد هويته؟

وفي الجزء الثاني، سنقترب من الخلاف بين ميشيل كامل ورفعت السعيد، ونفحص الروايات المتاحة عن العمل المسلح في الخارج، والاختلاف حول وسائل النضال وحدودها، وما تكشفه هذه التجربة عن أزمة الحركة اليسارية المصرية.

فليس المطلوب أن نكتب تاريخا يبرئ الجميع أو يدين الجميع، بل أن نفهم كيف اختلف المناضلون، ولماذا اختلفوا، وما الذي يمكن أن نتعلمه من خلافاتهم اليوم.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى