أخبارالعرب وافريقياعاجلمتنوعات

مسيّرة دمياط .. بين الروايات الأمريكية والإسرائيلية، ومبررات “التحفظ” المصري

كتب؛ هانى الكنيسى 

واقعة ضرب سفينتين في ميناء دمياط أمس الأربعاء تحوّلت بين عشية وضحاها إلى لغز تتنازعه روايات متضاربة وتأويلات متباينة، أبرزها ما تناوله الإعلام الإسرائيلي والأمريكي من زاوية “أول ضربة عسكرية إيرانية داخل مصر”، وأغربها ما يتحدث عن أن “دمياط أضيفت لقائمة أهداف إيرانية بسبب أوكرانيا!!   

التقرير المطوّل الذي نشرته ‘نيويورك تايمز’ اليوم تحت عنوان: 

Two Ships Hit in Apparent Drone Strike at Egyptian Port 

(شارك في إعداده أربعة صحافيين ومراسلين بارزين: ‘زين إروين’ Zane Irwin 

و’بيتر إيفيز’ Peter Eavis و’فارناز فسيحي’ Farnaz Fassihi و’براناف بسكار’ Pranav Baskar)، يؤكد أن “الانفجار” الذي وقع في منشأة الغاز المسال بميناء دمياط ونجم عنه حريق امتد إلى سفينتين لتخزين ونقل الغاز الطبيعي (الأولى باسم Energos Winter مملوكة لشركة أميركية وتعمل تحت علم ‘جزر مارشال’. 

والثانية باسم GasLog Salem وتحمل علم ‘برمودا’) كان “نتيجة ضربة بطائرة مسيّرة”، وهي الرواية نفسها التي أكّدتها سابقة شركتا الأمن البحري ‘أمبري’ Ambrey و ‘إينشكيب’ Inchcape ، إضافة إلى مصدرين أمنيين تحدثا إلى وكالة ‘رويترز’. 

وفي التفاصيل، تنقل الصحيفة الأمريكية عن مسؤولين أن السفينتين كانتا في محطة الغاز المسال أثناء عمليات تفريغ الشحنة، وأن الحريق كان كبيراً بما يكفي ليجبر الطواقم على الإخلاء الكامل قبل السيطرة عليه دون وقوع إصابات.

لكن أخطر ما في ورد في تقرير ‘نيويورك تايمز’، ينقله عن “مصادر إيرانية” تزعم أن الضربة التي نُفذت بمسّيرة كان الهدف منها “إظهار قدرة طهران على تعطيل خطوط الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة العالمية ردًا على التصعيد الأمريكي في المنطقة”. ولم تُحدد تلك المصادر ما إذا كانت الطائرة المسيرة قد أُطلقت مباشرة من إيران أو من قبل جهة إقليمية موالية لإيران، كما لم تكشف عن موقع الإطلاق.

وهنا تتقاطع الرواية الإسرائيلية مع الأمريكية، فينقل موقع ‘إسرائيل هيوم’ عن مسؤول أمني أن ميناء دمياط ظهر قبل أيام على “قائمة أهداف” تم تداولها على قنوات ‘تلغرام’ موالية لإيران، رداً على ضربة أوكرانية في بحر قزوين السبت الماضي لناقلة إيرانية تعمل بين موانئ روسيا وإيران. 

ووفقًا لرواية الموقع العبري، فإن “قائمة التليغرام’ تضمنت منشآت طاقة مرتبطة بأوروبا، بينها محطة SEGAS في دمياط، ما دفع مصادر إسرائيلية إلى استنتاج أن ما حدث يمثّل “أول استهداف إيراني مباشر داخل مصر”. 

أما صحيفة ‘تايمز أوف إسرائيل’ Times of Israel فربطت الواقعة بسياق إقليمي أوسع، مشيرة إلى أن الضربات الإيرانية استهدفت مواقع في السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين وعُمان والأردن والعراق، إضافة إلى اعتراض صواريخ فوق تركيا، وضربة بطائرة مسيّرة لقاعدة بريطانية في قبرص، وأخري اتهمت بها طهران في عمق أذربيجان. 

أي أن “إضافة مصالح أمريكية في مصر لقائمة الأهداف غير مستبعد”. وتختم الصحيفة تقريرها بعبارة “مصر ظلت خارج هذه الدائرة حتى يوم الأربعاء ثم تغيّر الأمر”. 

المفارقة أن الرواية المصرية “الرسمية” بشأن الحادث تبدّلت أو “تعدّلت” خلال 24 ساعة، من بيان وزارة البترول أمس الذي اكتفى بالإشارة إلى “حريق في سفينة للتغويز وأخرى للتخزين” (مشددًا على أنه تمت السيطرة على الحريق وفق خطط الطوارئ)، إلى البيان الصادر صباح اليوم عن مجلس الوزراء المصري، معترفًا بأن الحريق نجم عن “سقوط طائرة مسيرة” وبأن التحقيقات مستمرة لمعرفة التفاصيل. لكنه لم يحدد الجهة المنفذة، مثلما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن “الهجوم” حتى الآن.

وفي الدفاع عن “تحفظ” الموقف الحكومي المصري وتبرير التردد أو التلكؤ، أشار بعض المحللين إلى “حساسية” الأمر، ليس فقط من زاوية “البعد الأمني” أو العسكري (في ظل التباهي بطبقات الدفاع الجوي ومنظومات الاستطلاع الأحدث في المنطقة)، وإنما بشكل أخطر من جهة “الاعتبارات الاقتصادية”. 

فميناء دمياط ليس مجرد ميناء تجاري، بل يمثل أحد أهم مراكز تصدير الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا، في وقت تحاول فيه مصر تعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة. ومن ثم، فإن أي إعلان مبكر عن تعرض هذه المنشآت لهجوم قد يرفع أقساط التأمين البحري، ويؤثر في حركة السفن، ويزيد من تقلبات أسعار الغاز في الأسواق الأوروبية، فضلاً عن تأثيره على صورة الموانئ المصرية بوصفها ممرات آمنة للتجارة الدولية.

وما بين التقارير الأمريكية عن ضربة “المسيّرة” الإيرانية في ميناء دمياط، والسردية الإسرائيلية عن “بنك الأهداف الإيراني”، يبدو الإعلام المصري -حتى اللحظة- مترنحًا مرتبكًا ومحرجًا، في التعامل مع تطورات القصة أو “اللغز” .. بينما يظل السؤال الأهم -استراتيجيًا- في هذه المرحلة: وماذا بعد؟

زر الذهاب إلى الأعلى