عن تحذيرات بزشكيان من “الفتنة”، و”حرب الاستخبارات” بين نجاد والموساد، ومحاكاة السيناريو القطري

كتب: هانى الكنيسى
لم تهدأ عاصفة تقرير ‘نيويورك تايمز’ (العجيب) عن مخطط الموساد لتجنيد الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد وإعادته لرأس السلطة بديلًا “مؤقتًا” للنظام المحكوم عليه بالإعدام (حسب الرؤية الإسرائيلية).
أضافت مواقع عبرية “تحابيش” للقصة المزعومة، وظهر نجاد -المختفي من زمن- فجأة على الشاشات مع “أصدقائه من أركان النظام”، وتواترت التصريحات التي تكذب “المزاعم الصهيونية”، كما تكثفت التحركات السياسية للتحذير من الوقوع في براثن “الفتنة”.
مع تجدد الحرب الأمريكية على إيران وعودة أجواء القصف اليومي ومشاهد القتل والدمار والحصار، حرص الرئيس الإيراني ‘مسعود بزشكيان’ خلال اجتماع موسع مع مسؤولي وزارة الدفاع في طهران، على تأكيد دعمه المطلق لجيش بلاده، مستهجنًا التقارير الإعلامية التي تتحدث عن تصدعات أو انقسامات بين الحكومة والمؤسسات العسكرية. ووصف ‘بزشكيان’ الجيش والحرس الثوري بـ”الذراعين القويين”، محذراً من الانصياع لمحاولات إضعاف الجبهة الداخلية.
هذا التحذير الرئاسي المباشر من “الفتنة” لم يكن معزولاً عن سياق المعركة الإعلامية الاستخباراتية التي أشعل فتيلها تحقيق الصحيفة الأمريكية قبل يومين،
والذي استند إلى 30 مصدراً سياسياً ودبلوماسياً وأمنياً، في سرد تفاصيل عملية سرية معقدة أشبه بأفلام الخيال العلمي.
في التفاصيل، زعم تحقيق ‘نيويورك تايمز’ أن الموساد التقط مبكراً مؤشرات تغير في مواقف نجاد بعد تهميشه بأوامر من المرشد الراحل (استبعاده المتكرر من الترشح للانتخابات الرئاسية)، وشرع الجهاز منذ عام 2022 في فتح قنوات اتصال سرية معه، شملت دعماً مالياً واجتماعات سرية في الخارج، كان أبرزها لقاء عُقد في بودابست عام 2024 تحت غطاء مؤتمر للمناخ بتنسيق مع ‘جيرجيلي ديلي’ رئيس إحدى الجامعات المجرية، الذي رتّب دعوة الرئيس الإيراني الأسبق لتسهيل لقائه بضباط إسرائيليين. بل إن رئيس الموساد آنذاك ‘ديفيد برنياع’ سافر بنفسه إلى بودابست لإتمام اللقاء الشخصي، وأطلع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA لاحقاً على التفاصيل – حسب رواية الصحيفة.
وبلغت الإثارة ذروتها مع شن الحرب المشتركة على إيران في 28 فبراير، حين دمرت غارة جوية إسرائيلية مجمع أحمدي نجاد في طهران ومقر حراسه وسيارته المدرعة؛ ليتولى -وفق التحقيق- عملاء الموساد نقله سريعاً وسط الفوضى إلى منزل آمن داخل إيران تمهيداً لتنصيبه زعيماً مقبلاً. لكن أحمدي نجاد، وفقاً لما نقلته ‘نيويورك تايمز’ عن مسؤولين أمريكيين وإيرانيين، “شعر بالارتباك والقلق جراء تفاصيل عملية الإخلاء وتسلل الشك إلى نفسه، فغادر المنزل الآمن في ظروف غامضة”. ولم يظهر للعلن بعدها لأسابيع، وسط شائعات قوية عن وضعه رهن الإقامة الجبرية والتحقيق معه من قبل استخبارات الحرس الثوري.
الرواية “هوليوودية مفبركة”، هكذا كان تعليق مكتب أحمدي نجاد الذي نفى قصة ‘نيويورك تايمز’ بشكل قاطع في بيان نقله موقع ‘إيران إنترناشيونال’، واصفاً إياها بأنها جزء من “الحرب النفسية”، كما نفى “شائعة” الإقامة الجبرية .
وفي خطوة عملية لتبديد الشائعات، ظهر محمود أحمدي نجاد علنًا، أمس (الثلاثاء)، في لقاء “مصوّر” بمكتبه مع أصدقائه وزملائه، نقلته منصة ‘مهر فردا’، حيث قُرئت الفاتحة على أرواح خمسة من أفراد حمايته الذين قُتلوا جراء الهجوم الصاروخي الذي استهدف مقره في ساحة 72 نارمك يوم 9 مارس الماضي.
ولم يكتفِ الرئيس الأسبق بالظهور الرمزي، بل تعمد الحضور علناً أمام عدسات التلفزيون الرسمي الإيراني في مراسم تأبين المرشد الراحل علي خامنئي (بعدما كان قد ظهر لفترة وجيزة في بداية الجنازة الرسمية الأسبوع الماضي)؛ وهو ما فسّره البعض بأنه “مناورة سياسية” لإثبات بقائه داخل المعادلة وإظهار ولائه للنظام الحاكم، بينما اعتبره آخرون محاولة “مهندسة” من النظام نفسه لإظهار أن نجاد يتمتع بكامل حريته وليس قيد الإقامة الجبرية، بينما الواقع مختلف “بدليل اختفائه عن المشهد العام لشهور وعدم ظهوره مجددا إلا بعد صخب مع تقرير ‘نيويورك تايمز’.
اللافت، أن صحفا غربية بارزة مثل “نيويورك تايمز” و”الغارديان” ربطت بين رغبة أحمدي نجاد العارمة في العودة إلى صدارة السلطة وبين التحول الجذري الملموس الذي طرأ على صورته ومظهره العام في السنوات الأخيرة؛ فالرجل الذي عُرف لعقدين بسترة الكاكي الواسعة ولحيته الفوضوية المشتتة وخطابه العقائدي المتشدد المناهض للغرب ومنكر المحرقة، تخلى فجأة عن صورته التقليدية لصالح بدلات عصرية أنيقة مصممة بعناية، وقام بتهذيب ملامحه بعلاجات تجميلية (البوتوكس) مع المداومة على تعلم اللغة الإنجليزية وتصدير خطاب سياسي معتدل ينتقد تغول الأجهزة الأمنية في بلاده، وهي تغييرات فسرها محللون بأنها محاولة “تسويق ذاتي” بهدف التقارب مع الرأي العام الداخلي والخارجي على حد سواء.
وفي الجانب الآخر من جدار الصمت الإسرائيلي “الرسمي” تجاه تقرير ‘نيويورك تايمز’، انتقد المسؤول السابق في الموساد ‘ساغي أسولين’ الكشف عن مثل تلك العمليات الحساسة في الإعلام العبري لما تشكله من خطورة على أمن الجواسيس.
لكن “أطرف” ما لفتني شخصيًا في التعليقات الإسرائيلية، كان ما قاله د. ‘عودي ليفي’ Udi Levi الرئيس السابق لوحدة الاستخبارات المالية “تزاتزيل” في الموساد، في مقابلته -اليوم- مع إذاعة “103fm ” العبرية.
فالخبير الاستخباراتي المخضرم نفى أن يكون لديه من المعلومات ما يؤكد صحة رواية ‘نيويورك تايمز’، لكنه أكد أن محاولات “تجنيد قادة الصف الأول” في معسكر الأعداء هي صلب العمل الاستخباراتي الكلاسيكي، مذكرًا بأن محاولات الموساد في اختراق إيران “سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا” متواصلة منذ سنوات عدة وأثمرت نجاحات مشهودة.
ثم ما لبث ‘ليفي’ أن عقد مقارنة “عجيبة” بين الحدوتة الاستخباراتية التي تبدو “خيالية” وبين النشاط الذي اتضح أن دولة قطر تمارسه في الداخل الإسرائيلي، وبالتحديد على مستويات صنع القرار العليا بتل آبيب. فيقول حرفيًا: “القطريون فعلوا الشيء نفسه تماماً معنا”، مشيرًا إلي القضايا المنظورة مؤخرًا بشأن تجنيد موظفين كبار في مكتب رئيس الوزراء (بقصد مدير مكتب النتنياهو) للعمل “وفق أجندة مصالح الدوحة”. وفي السياق ذاته، استشهد ضابط الموساد المتقاعد بتقارير كشفت مؤخراً عن محاولات قطرية لتجنيد مسؤول أمريكي رفيع المستوى يرتبط بعلاقات وثيقة مع إدارة ترمب، أيضا لتمرير مصالحها.
