هل تحمي السفارة الأوكرانية عميل الموساد؟ وكيف أفلت "الصيد الثمين" من شباك حزب الله؟

كتب؛ هانى الكنيسى
تحت ستار الغارات الإسرائيلية على ضاحية بيروت الجنوبية في مارس الماضي، تسلل سجين -ليس كأي سجين- من زنزانته السرية التابعة لحزب الله وشق طريقه صعوداً عبر التلال الخضراء المشرفة على العاصمة، صوب حي بعبدا الدبلوماسي الراقي، ليختفي خلف بوابات السفارة الأوكرانية السميكة، فتبدأ أحداث حلقة جديدة من مسلسل العمالة والجاسوسية المتواصلة مواسمه -بنجاح مشهود- في ربوع لبنان.
التحقيق الذي نشرته وكالة ‘أسوشيتد برس’ Associated Press، مستنداً إلى شهادات ثلاثة مسؤولين قضائيين ومسؤولين أمنيين رفيعي المستوى في لبنان، إلى جانب مسؤول سياسي بارز في حزب الله، كشف عن لغز يضع الدولة في موقف أمني ودبلوماسي محرج بقدر ما ينكأ جرحًا مفتوحًا في العلاقة المتأزمة بين الحكومة وحزب الله.
الهارب الذي تبحث عنه الأجهزة الأمنية هو خالد العايدي، لاجئ فلسطيني من سوريا يحمل الجنسية الأوكرانية من جهة والدته. هذا المزيج جعل منه حالة فريدة؛ فهو لا يشبه الجواسيس التقليديين الذين استقطبتهم الأجهزة الإسرائيلية مؤخراً، والذين كان العديد منهم أعضاءً حاليين أو سابقين في حزب الله، أو أفراداً تربطهم صلات عائلية ببيئته الحاضنة.
وفقاً للوثائق الحكومية اللبنانية، دخل العايدي البلاد في أغسطس 2025 على متن رحلة جوية قادمة من إثيوبيا. ولم يمضِ وقت طويل حتى وقع في يد حزب الله الذي احتجزه في سجن انفرادي باعتباره “صيداً ثميناً”، بعد إدانته -ضمن شبكة- بالضلوع في مخطط استخباراتي إسرائيلي (تم إحباطه في اللحظة الأخيرة) لتنفيذ تفجيرات واغتيالات، شملت التحضير لاستهداف فعاليات الذكرى السنوية الأولى لاغتيال حسن نصر الله.
شبكة الجواسيس، التي فككتها المديرية العامة للأمن العام اللبناني في أكتوبر الماضي، ضمت العايدي وستة آخرين (جميعهم لبنانيون)، وضبطت معهم دراجة نارية مفخخة وسيارة معدة للتفجير. وبينما يقبع خمسة من المتهمين الآخرين في السجون اللبنانية بانتظار المحاكمة العسكرية، إثر هروب سادسهم الغامض، يظل مصير العايدي اللغز الأكبر، خاصة وأن التحقيقات أظهرت أن العملية يديرها -عن بعد- ضابط من “الموساد” مقيم في ألمانيا، يتواصل مع العملاء الميدانيين عبر تطبيقات مشفرة.

ومنذ هروب العايدي إلى حي بعبدا، تحولت القضية من ملف أمني إلى أزمة دبلوماسية صامتة. إذ تكشف الوثائق -التي اطلعت عليها وكالة الأخبار الأمريكية- أن السفارة الأوكرانية تقدمت بطلب رسمي إلى السلطات اللبنانية في مارس لتسهيل مغادرته البلاد، غير أن المديرية العامة للأمن العام في بيروت رفضت الطلب رسميا، مستندة إلى صدور مذكرة توقيف قضائية بحقه في سبتمبر 2025. بينما التزمت وزارة الخارجية الأوكرانية الصمت التام، ورفضت إسرائيل التعليق على القصة.
إلا أن مسؤولًا أوكرانيًا كشف لوكالة ‘أسوشيتدبرس’ – شريطة عدم الإفصاح عن هويته – بأن العايدي “ليس موجودًا داخل السفارة الأوكرانية أو في ملحفيتها بلبنان حالياً”، رافضاً الكشف عن مكانه أو تأكيد ما إذا كان الجاسوس قد دخل السفارة أصلاً أو تلقى مساعدة منها للهروب. في حين يرجح مسؤولان أمنيان لبنانيان بارزان أن العايدي قد غادر الأراضي اللبنانية بالفعل. كما تحدث وفيق صفا، المسؤول السياسي في حزب الله، عن “محاولة فاشلة لتهريبه سابقاً إلى سوريا”، دون كشف المزيد من التفاصيل.
المؤكد أن هذا الاختفاء الغامض يتزامن مع محاولات مستميتة من حزب الله لاستئصال عملاء إسرائيل، بعد سلسلة الضربات القاصمة التي تعرضت لها جبهته الداخلية وبنيته القيادية منذ إعلانه مساندة جبهة غزة بعد هجمات 7 أكتوبر 2023.
والمؤكد أيضًا أن قضية العايدي أعادت ذكريات الاختراق الإسرائيلي للجبهة اللبنانية -تقنيًا وبشريًا- الذي تجلت أبرز أمثلته الدموية في سبتمبر 2024، حينما اخترق الموساد سلسلة التوريد الخاصة بالحزب وفجّر -بكبسة زر- الآلاف من أجهزة النداء (البيجر) وأجهزة اللاسلكي الأخرى، ما أسفر عن مقتل 37 شخصاً على الأقل وإصابة المئات (حسب الأرقام الرسمية)، وتلاها بأيام اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله في مقره المحصن مع بعض كبار قياداته.
يفسر ‘نيكولاس بلانفورد’ خبير الجماعات المسلحة في “المجلس الأطلسي” Atlantic Council، هذا التداعي الأمني بأن حزب الله، الذي بدأ في الثمانينيات كحركة حرب عصابات صغيرة يصعب اختراقها، توسع بشكل متسارع بعد حرب عام 2006. هذا التوسع، إلى جانب الانخراط في الحرب الأهلية بسوريا طيلة 14 عاماً، دفع الحزب لخفض معايير التجنيد الصارمة في صفوفه. وزاد الطين بلة، الأزمة الاقتصادية الطاحنة في لبنان التي استغلتها إسرائيل لتجنيد الشباب اليائس، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بمبالغ تراوحت بين 2,500 و20,000 دولار، لقاء جمع معلومات عن مكاتب الحزب وتحركات كوادره ومستودعات أسلحته.
ومن جهته، لا ينكر وفيق صفا ذلك التدهور، قائلًا : “لقد نجحنا في كشف العديد من شبكات التجسس، مثلما نجحت الدولة أيضاً، لكن الإسرائيليين يعملون دائماً على تجنيد المزيد من الشباب اللبنانيين من جميع الطوائف”
وفي السياق ذاته، تكشف السلطات القضائية اللبنانية أن الحملات الأمنية “المشتركة” خلال العامين الأخيرين، أسفرت عن إدانة نحو 50 شخصاً بالعمالة، معظمهم في السجن حالياً.
إلا أن اختفاء الجاسوس المزعوم تسبب في توسيع شقة الخلاف بين الحكومة اللبنانية وحزب الله؛ في ظل توترات متصاعدة بسبب غضب الحكومة من تفرد الحزب بقرار استئناف الحرب مع إسرائيل من جهة، واستياء الحزب من تفاوض الحكومة المباشر مع تل أبيب للتوصل إلى اتفاق أمني وسياسي أوسع، من جهة مقابلة.
ويلخص مهند حاج علي، الباحث في مركز ‘مالكوم كير كارنيغي’ للشرق الأوسط ببيروت، أبعاد المعضلة السياسية التي تواجهها الدولة بقوله: “إذا كانت السلطات اللبنانية قد رفضت فعلًا السماح للعايدي بمغادرة البلاد، فالأكيد أن الولايات المتحدة وأوكرانيا مارستا -أو تمارسان- ضغوطًا هائلة عليها لإطلاق سراحه. وفي المقابل، إذا عُرف أن الدولة سمحت للعايدي بالهروب (سرًا)، فسوف تواجه غضباً شعبياً، وتحديداً من جانب الشيعة اللبنانيين”.
وعلى وقع الغموض والصمت المريب من جميع الأطراف، تظل دراما “خالد العايدي” دليلاً حياً على أن الحرب الاستخباراتية فوق الأراضي اللبنانية لا تقل ضراوة عن صخب الصواريخ والمقاتلات الإسرائيلية في أجوائها.
