إسرائيل بوابة نفط الخليج إلى أوروبا: هل يمكن تحييد مضيق هرمز؟

إدريس آيات- قسم العلوم السياسية- جامعة الكويت
يُناقش حاليًا في الفضاءات الجيوسياسية مشروعاً طاقويًا علنًا، للالتفاف على إيران مضيق هرمز؛ وباب هود المندب ؛ القريبة للحوثيين.
وتتسارع وتيرة تنفيذ خطة تصدير النفط السعودي والإماراتي عبر إسرائيل، في ظل الاضطرابات التي تشهدها مسارات الشحن البحرية التقليدية. فمنذ سنوات، تعتمد المملكة العربية السعودية على خط أنابيب الشرق–الغرب الذي ينقل النفط من الحقول الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يتيح تجاوزًا جزئيًا لمضيق هرمز. أما دولة الإمارات العربية المتحدة، فتستخدم خط أنابيب حبشان–الفجيرة لنقل النفط إلى ميناء الفجيرة الواقع خارج مضيق هرمز. ومع ذلك، يظل كلا المسارين عرضة للمخاطر المرتبطة بمضيق باب المندب، ولا سيما التهديدات المنسوبة إلى جماعة الحوثيين.
وفي هذا السياق، كثّف وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين علنًا، وهو عضو في المجلس الوزاري السياسي–الأمني، جهود تنفيذ مشروع يقضي بربط خط أنابيب إضافي يمتد من السعودية إلى مدينة إيلات، بطول يقارب 700 كيلومتر، على أن يُنقل النفط بعد ذلك عبر خط أنابيب إيلات–عسقلان القائم إلى ميناء على البحر المتوسط. ومن هناك، يمكن تسويق النفط مباشرة إلى الأسواق الغربية والأوروبية ودول حوض البحر المتوسط، من دون الحاجة إلى المرور عبر مضيقي هرمز أو باب المندب.
وكانت اتفاقيات أبراهام قد فتحت بالفعل الباب أمام أشكال مماثلة من التعاون مع دولة الإمارات، بما في ذلك تفاهمات سابقة بشأن استخدام البنية التحتية الإسرائيلية. ومن شأن هذا المسار أن يختصر مسافات النقل بصورة كبيرة، ويوفر قدرًا أكبر من الاستقرار الاستراتيجي لكل من الدول المصدّرة والمستهلكة في الغرب.
أما الأطراف الأكثر تضررًا من هذا التوجه، فهي، بحسب هذا الطرح، إيران التي قد تفقد جزءًا من أوراق الضغط التي يوفرها لها مضيق هرمز، وكذلك الحوثيون الذين قد يتراجع تأثيرهم المرتبط بمضيق باب المندب. كما قد تواجه دول أخرى تعتمد على الممرات البحرية انعكاسات غير مباشرة.
وتُعد مصر من أبرز هذه الدول، إذ يشكل كل من قناة السويس وخط أنابيب سوميد (SUMED) مصدرًا حيويًا يدرّ مليارات الدولارات سنويًا. ومن ثم، فإن انخفاض حركة ناقلات النفط قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية كبيرة، وهو ما يستلزم – وفقًا لهذا التصور – تقديم تعويضات في صورة استثمارات مشتركة في مشروعات البنية التحتية، أو تقاسم عائدات المسار الجديد، أو توسيع مجالات التعاون في قطاع الطاقة لتعويض تراجع إيرادات قناة السويس. وعندئذ فقط يمكن تنفيذ هذا المشروع بوصفه ترتيبًا مستقرًا، لا مصدرًا جديدًا للنزاعات.
ويخلص الطرح إلى أن تنفيذ هذه الخطة يظل ممكنًا من الناحية العملية، إلا أن نجاحها يبقى مرهونًا بتوافر الإرادة السياسية، وإبرام ترتيبات اقتصادية عادلة تضمن مصالح جميع الأطراف المعنية.
▪️ لكن ماذا عن احتماليات النجاح وجدواه؟
الفكرة المطروحة ليست خيالية من الناحية الهندسية؛ إذ يمكن نظريًا إنشاء خط نفطي يمتد من الأراضي السعودية إلى إيلات، ثم ربطه بخط إيلات–عسقلان القائم، لنقل الخام إلى البحر المتوسط. لكن وصف المشروع بأنه خطة قادرة على جعل هرمز وباب المندب «أقل أهمية» ينطوي على مبالغة واضحة. الأدق أنه ممر تحوّط استراتيجي إضافي، لا بديل شاملًا للمضيقين.
وقد طرح وزير الطاقة الإسرائيلي إيلي كوهين المشروع علنًا في يوليو 2026، وتحدث عن خط بطول يقارب 700 كيلومتر يصل السعودية بإيلات، ثم يستخدم شبكة الأنابيب الإسرائيلية إلى عسقلان. غير أن المشروع لا يزال في مستوى المقترح السياسي، وليس مشروعًا إقليميًا متفقًا عليه أو ممولًا أو قيد الإنشاء. – نقاطٌ أساسية للفهم
غنّيٌ عن البيان الإشارة إلى أن النفط المنقول إلى ينبع والمتجه شمالًا نحو قناة السويس أو خط سوميد أو أوروبا لا يحتاج إلى عبور باب المندب؛ لأن ينبع تقع شمال المضيق أما النفط المتجه من ينبع إلى الأسواق الآسيوية، فعليه أن يبحر جنوبًا ويعبر باب المندب، ثم المحيط الهندي.
كما أنّ خط حبشان–الفجيرة الإماراتي يتجاوز هرمز مباشرة، لكنه لا يحتاج إلى باب المندب عند التصدير إلى آسيا؛ وإنما يواجه مخاطر باب المندب إذا كان الخام متجهًا غربًا عبر البحر الأحمر وقناة السويس.
إذن، المشروع الإسرائيلي يفيد أساسًا في ربط نفط الخليج بالأسواق الأوروبية والمتوسطية، ولا يقدم ميزة مماثلة للنفط المتجه شرقًا إلى الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية.
في المقابل، تبلغ الطاقة المتداولة لخط إيلات–عسقلان في اتجاه البحر المتوسط قرابة 1.2 مليون برميل يوميًا، بينما تشير بيانات الشركة المشغلة إلى أن الخط الرئيس يبلغ طوله نحو 254 كيلومترًا وقطره 42 بوصة، مع سعة تخزين إجمالية في منشآت الشركة تبلغ نحو 3.7 ملايين متر مكعب.
وبذلك، حتى لو شُغّل الخط الإسرائيلي بطاقته النظرية الكاملة، فإنه يستوعب قرابة:
1.2 مليون ÷ 20 مليون = 6% تقريبًا من تدفقات هرمز. أي إنه لا يستطيع، بصورته الحالية، تعويض سوى جزء صغير من النفط المار عبر المضيق.
بل إن خط الشرق–الغرب السعودي نفسه أكبر بكثير؛ إذ يمتد قرابة 1,200 كيلومتر وتصل طاقته القصوى المعلنة إلى نحو 7 ملايين برميل يوميًا. ولذلك، فمن منظور سعودي بحت، قد يكون توسيع خط ينبع ومرافق التصدير والتخزين فيه أقل تعقيدًا سياسيًا من إنشاء مسار يمر بإسرائيل.
أين تكمن الجدوى الحقيقية؟
الجدوى الأساسية ليست في نقل جميع صادرات الخليج، وإنما في أربعة استخدامات محددة.
أ- بناء «مسار تأمين» ضد الإغلاق المتزامن
قيمة المشروع تظهر في سيناريو تتعرض فيه الملاحة في هرمز وباب المندب للاضطراب في الوقت نفسه. عندها يمكن ضخ جزء من النفط السعودي برًا إلى إيلات، ومنه إلى عسقلان الإسرائيلية، دون دخول الخليج أو البحر الأحمر الجنوبي.
هذه ميزة استراتيجية حقيقية؛ لأن البنية النفطية لا تُقاس فقط بربحيتها في الأوقات الطبيعية، بل بقيمتها في أوقات الحرب والانقطاع.
ب- تقليص زمن الوصول إلى جنوب أوروبا
وصول النفط مباشرة إلى عسقلان يمنحه منفذًا قريبًا من أسواق المتوسط، مثل إيطاليا واليونان وفرنسا وإسبانيا وتركيا. وقد يخفض ذلك زمن الرحلة، وأجور الناقلات، ورسوم المرور، ومخاطر التأمين المرتبطة بالبحر الأحمر لكن هذه الميزة تعتمد على أن تكون كلفة ضخ النفط عبر الخط ورسوم العبور وإعادة الشحن أقل من كلفة استخدام ينبع–السويس أو سوميد.
ج- منح السعودية والإمارات قوة تفاوضية
حتى إن لم يُستخدم الخط بكامل طاقته، فإن وجوده يمنح المنتجين الخليجيين بديلًا إضافيًا عند التفاوض مع:
٠ شركات النقل والتأمين؛
٠ مصر بشأن رسوم القناة وسوميد؛
٠ المشترين الأوروبيين؛
٠ الولايات المتحدة بشأن الضمانات الأمنية؛
٠ إيران بشأن أمن الملاحة في الخليج.
بتعبير صريح، قد تكون قيمة الخيار الاستراتيجي أكبر من كمية النفط التي ينقلها فعليًا.
د- تحويل إسرائيل إلى عقدة عبور للطاقة
إسرائيل لا تريد أن تكون مجرد دولة مستهلكة أو منتجة محدودة للغاز، بل تسعى إلى التحول إلى جسر يربط الخليج بالمتوسط وأوروبا. ويمنحها ذلك رسوم عبور، ونفوذًا سياسيًا، ومكانة داخل هندسة أمن الطاقة الغربية.
ختامًا؛ أرى أنّ العقبات السياسية هي الأصعب؛ في غياب العلاقات السعودية–الإسرائيلية الكاملة
فإنشاء خط دائم يربط منشآت النفط السعودية بالبنية الإسرائيلية ليس اتفاقًا تجاريًا عاديًا؛ إنّما هو تحالف بنيوي طويل الأمد. فالأنبوب قد يعمل أربعين أو خمسين عامًا، ويستلزم تنسيقًا أمنيًا وتشغيليًا وقانونيًا يوميًا.
لذلك، لن يكون المشروع ممكنًا على نطاق استراتيجي من دون:
٠ تسوية سياسية سعودية–إسرائيلية؛
٠ ضمانات أمريكية؛
٠ اتفاق واضح بشأن فلسطين أو على الأقل بيئة سياسية تسمح للرياض بتحمل الكلفة الداخلية والإقليمية؛
٠ نظام قانوني للتعويض عند الحرب أو وقف الضخ أو تغيير الحكومات.
ومن هنا، فالعقبة ليست مد الأنبوب في الصحراء، بل مده عبر الفجوة السياسي.
