شهادات جرائم الحرب الإسرائيلية بين نكسة 1967 ونكبة غزة الألفينية

كتب: هانى الكنيسى
توثيق جرائم الحرب التي ارتكبها الجيش الإسرائيلي على مدار تاريخه الدموي، منذ ولادته من رحم عصابات الهاجاناه وأشباهها في أربعينيات القرن الماضي وحتى حرب الإبادة في غزة بعد 7 أكتوبر 2023 لم يعد مقصورًا على تقارير المنظمات الحقوقية الدولية أو تحقيقات الأمم المتحدة، بل بات معززًا بشهادات العسكريين الإسرائيليين أنفسهم التي ظلت لعقود حبيسة الأرشيف السري أو خاضعة للرقابة.
إذ نشرت صحيفة ‘هآرتس’ تحقيقاً مطولاً للباحث والمؤرخ الإسرائيلي ‘آدم راز’ استند إلى وثائق وشهادات “غير منشورة” لجنود شاركوا في حرب يونيو 1967 (النكسة)، تناقض تماماً السردية الإسرائيلية الدعائية التي قدمت حرب الأيام الستة بوصفها حرباً “نظيفة” ومشروعة شُنّت فقط من أجل حماية الدولة العبرية المهيضة من جيرانها العرب الذين أرادوا إغراقها في البحر المتوسط.
التحقيق الذي حمل عنوان: “أُمِرنا بالقتل: نكبة 1967 التي يجهلها الإسرائيليون”، مستندًا إلى محاضر كاملة محفوظة في أرشيف “ياد تابنكين” Yad Tabenkin (الذي يوثق تاريخ مستوطنات الاحتلال) وإلى بحث أجراه معهد ‘عكيفوت’ Akevot الإسرائيلي، يعرض شهادات صادمة لجنود وضباط إسرائيليين تحدثوا عن أوامر مباشرة بالقتل وإطلاق النار على المدنيين، وعن عمليات طرد جماعي ونهب وتدمير ممنهج رافقت احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وهضبة الجولان في يونيو 1967.
ووفقاً للوثائق المسرّبة، فإن نحو 300 ألف عربي اضطروا إلى النزوح أو تعرضوا للطرد خلال حرب النكسة وما أعقبها، في واحدة من أكبر موجات التهجير منذ نكبة عام 1948.
أهمية تلك الشهادات التي ربما تبدو تكرارًا لما ورد في وثائق سابقة، لا تكمن فقط في كم “التفاصيل” وأدلة الجريمة التي تتضمنها بل أيضا لأنها تعرّي كوامن العقلية “المريضة” التي حرّكت العنف السادي والشر المطلق في سلوك الجيش الإسرائيلي. وهي العقلية أو النفسية التي عبّر عن وحشيتها أحد الجنود المشاركين في حرب 1967 بقوله: “شعرت كأنني نازي… بدا الأمر وكأننا نحن النازيون وهم (أي العرب) اليهود”!!
وقال جندي إسرائيلي آخر في شهادته: “معظم من قتلتهم وحدتي لم يكونوا مسلحين”. فيما روى ثالث كيف تبدلت نظرة الجنود إلى السكان العرب خلال الحرب قائلاً: “في البداية لم أكن مستعداً لإعدام العرب الذين لم يقاوموا. ثم توصلنا إلى قناعة بأنه لا بد من قتلهم. مررنا بمرحلة توقفنا فيها عن رؤيتهم كبشر”.
وفي قطاع غزة (الذي كان تحت السيطرة المصرية آنذاك)، تكاد الشهادات الإسرائيلية تتطابق مع يجري اليوم من جرائم . إذ يقول أحد الجنود: “لم تكن لحياة الإنسان قيمة. كان القتل مباحاً، فالقانون غائب. لم يكن أحد ليعاتبك، لكنه شعور مريع. إنه يجرد الإنسان من إنسانيته”. و تحدث جندي آخر عن “حملات عقابية” داخل قرى القطاع قائلاً: “كنا نلقي القبض على الرجال ونصفّهم في طوابير ثم نصفيهم”.
فيما اعترف أحد “الشهود” بارتكاب جريمة حرب صريحة، قائلًا: “كنا نجوب مخيمات اللاجئين في غزة ونُنفّذ عمليات تطهير. كل رجل رأيناه كان مُقاتلًا، لا سبيل لإثبات ذلك. ربما كان القتلى من السجناء أو المدنيين. حوّلنا المكان إلى ‘معسكر اعتقال جماعي’، ولم نتردد في قتل أي شخص يُثير أدنى اضطراب”.
ووفقًا لما ورد في تحقيق ‘هآرتس’ الجريء، لم تتوقف جرائم الجيش الإسرائيلي مع نهاية حرب 1967، بل امتدت إلى الأسابيع التي تلت انتهاء العمليات العسكرية رسميًا. حينما سعى آلاف اللاجئين الفلسطينيين للعودة إلى ديارهم في الضفة الغربية عقب لجوئهم شرق نهر الأردن، فنصب الإسرائيليون كمائن لهم وارتكبوا “مجزرة بشرية” بإطلاق النار على اللاجئين “غير المسلحين”، تنفيذاً لقرار حكومي صدر في 25 يونيو 1967 يقضي بمنع عودة من غادروا إلى الضفة الشرقية.
وفي ذلك السياق، تنقل الوثائق شهادات مروعة أوردها لاحقاً عضو الكنيست الراحل ‘أوري أفنيري’، بعدما التقى جنوداً خدموا في تلك المناطق. وجاء في إحداها: “في كل ليلة كنا نتلقى أوامر بإطلاق النار بقصد القتل دون سابق إنذار على الرجال والنساء والأطفال الذين يحاولون العبور. وفي الصباح كنا نخرج لمسح المنطقة ونقتل من بقي حياً، بمن فيهم الجرحى والمختبئون، ثم ندفن الجثث حتى وصول الجرار”. كما روى له جندي آخر: “سألت الضابط: وإذا سمعت بكاء أطفال، فهل أطلق النار عليهم أيضاً؟ فكان الجواب: لا تكن جباناً”.
ورغم أن ‘أفنيري’ طلب وقتها من رئيس أركان الجيش الإسرائيلي ‘إسحاق رابين’ فتح تحقيق عاجل، فإنه لم ينشر تلك التفاصيل في صحيفته ‘هاعولام هازيه’، كما لم يذكرها على منصة الكنيست، ملتزمًا الصمت لخمسة عقود قبل أن يُدلي بشهادته حرفيًا في كتاب سيرته الذاتية.
الاعترافات “المشينة” لم تقتصر على الجنود العاديين أو الرُتب الصغيرة من الضباط. إذ أقر اللواء ‘عوزي نركيس’، قائد المنطقة الوسطى خلال حرب 1967، في مقابلة عام 1985 بأن قواته تلقت أوامر بإطلاق النار على العائدين إذا لم يعرفوا كلمة السر، مضيفاً: “أحياناً يبالغ بعض الرجال في تصرفاتهم، وبدلاً من طلب كلمة السر يطلقون النار فوراً. عندما تندلع الحرب تحدث مآسٍ”.
هذه الشهادات ظهرت أجزاء محدودة منها في كتاب “اليوم السابع: حديث الجنود عن حرب الأيام الستة”، غير أن كثيراً من المقاطع الأكثر حساسية حُذفت قبل النشر. كما كشف فيلم “أصوات مراقبة” للمخرجة ‘مور لوشيه’ عام 2015 عن بعض تلك الوقائع، حيث قالت حينها: “من بين 200 ساعة من التسجيلات، يتناول عدد كبير منها جرائم الحرب. تكررت هذه القصة في كل كيبوتس (مستوطنة) تقريباً مراراً وتكراراً”.
وتعيد هذه الشهادات التذكير بجرائم حرب أخرى ارتكبها الجيش الإسرائيلي خلال حرب 1967، من بينها إعدام أسرى حرب مصريين بعد استسلامهم في سيناء، والتي وثقتها شهادات جنود وضباط إسرائيليين نُشرت في سنوات سابقة. كما تناولت أفلام وثائقية إسرائيلية مثل “روح شاكيد” أمثلةً من الممارسات الإجرامية لوحدات إسرائيلية في سيناء. وكذلك وثقت دراسات تاريخية وحقوقية عمليات هدم قرى فلسطينية بالكامل بعد الحرب، من بينها قرى في منطقة اللطرون، حيث أُجبر آلاف السكان على الرحيل قبل هدم منازلهم (ثم إقامة مستوطنات يهودية على أنقاضها).
وعن ذلك بالتحديد، تحدث الصحافي الإسرائيلي اليساري الراحل ‘عاموس كنان’ في كتابه “إسرائيل: نصر ضائع” الصادر عام 1970، حين تناول قصة طرد سكان قرية ‘بيت نوبا’ وتدميرها، واصفًا بدقة حال رجال ونساء وأطفال تائهين بلا ماء أو طعام، قبل أن تُسوّى القرى بالأرض بعد أيام قليلة من انتهاء الحرب.
وفي مقارنة كل ما سبق مع ما جرى -ولا يزال يجري- في غزة حاليًا، نقل الطبيب النفسي الإسرائيلي ‘يوئيل إليزور’ (في مقال بصحيفة ‘هآرتس’ أيضا قبل عامين) عن أحد الجنود قوله: “منذ لحظة مغادرتك ما يسمى إسرائيل ودخولك قطاع غزة، تصبح إلهاً”. كما أورد شهادة لجندي آخر يقول: “أطلق فلان النار على عربي أربع مرات في ظهره وأفلت من العقاب بادعاء الدفاع عن النفس… كنا نفعل أشياء كهذه كل يوم”. وفي شهادة ثالثة: “كان هناك شاب عربي يسير في الشارع، لم يرم حجراً ولم يفعل شيئاً. فجأة أصابته رصاصة في بطنه، وتركناه يحتضر على الرصيف”.
