كيف هزمت إيران الولايات المتحدة وإسرائيل؟

بقلم: سامح عسكر
لم تكن المشكلة من وجهة نظري ، في خطأ الحسابات الأمريكية والإسرائيلية فى الحىب في قوة إيران فقط، بل في أن سقف الأهداف التي تم الإعلان عنها كان مرتفعًا للغاية، بل وغير واقعي في بعض جوانبه، فضلاً عن أنه استند إلى أخطاء جوهرية في فهم طبيعة الدولة الإيرانية والمجتمع الإيراني.
أول هذه الأخطاء كان الرهان على سقوط النظام الإيراني.
الخصوم تعاملوا مع إيران وكأنها دولة يمكن إسقاطها بالضغط العسكري أو باستهداف رأس السلطة، لكنهم لم يدرسوا بما يكفي الفكر الشيعي والتاريخ الفارسي والإيراني بشكل عام. في الثقافة السياسية والعقائدية الإيرانية، لا يعني استشهاد القائد نهاية المعركة، بل قد يتحول إلى مصدر جديد للقوة والتعبئة.
هذه الفكرة مرتبطة برمزية الإمام الحسين في الوعي الشيعي، كما أنها تتقاطع مع إحساس قومي راسخ لدى الإيرانيين الذين يعتزون بتاريخهم وهويتهم. قد تختلف التيارات السياسية داخل إيران، وقد يتصارع الإيرانيون فيما بينهم حول قضايا كثيرة، لكن عندما يتعلق الأمر بتهديد الدولة نفسها فإن هذه الخلافات تتراجع لمصلحة التوحد في مواجهة الخطر الخارجي.
الخطأ الثاني كان يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني.
الكثيرون تعاملوا مع الملف النووي وكأنه مجرد منشآت يمكن استهدافها أو تدميرها، بينما تجاهلوا أن البرنامج في جوهره قائم على قاعدة علمية وبشرية واسعة. المعرفة التي تم إنتاجها خلال عقود لا يمكن محوها بالقصف أو العقوبات.
إيران أصبحت دولة تمتلك المعرفة النووية الكاملة تقريبًا، وحتى لو تعرضت منشآت للتدمير فإن العقول والخبرات والكوادر العلمية تبقى موجودة. وهنا وقع الخصوم في خطأ شائع يتمثل في التقليل من حجم التقدم العلمي الإيراني والنظر إلى إيران من خلال صور نمطية قديمة لا تعكس الواقع.
أما الخطأ الثالث فكان في تقدير البرنامج الصاروخي.
إيران لم تبنِ قدراتها الصاروخية خلال سنوات قليلة، بل استثمرت فيها لعقود طويلة، ووزعتها على شبكة واسعة من المواقع والمنشآت المحصنة. الطبيعة الجغرافية الإيرانية نفسها، بما تحتويه من جبال ومساحات شاسعة، منحت هذه القدرات درجة عالية من الحماية والتعقيد.
لذلك لم يكن من الواقعي تصور أن هذه المنظومة يمكن شلها بالكامل أو إنهاؤها بضربة أو حتى بسلسلة من الضربات العسكرية.
الخطأ الرابع كان الاعتقاد بإمكانية دفع إيران إلى التخلي عن محور المقاومة.
هذه المسألة لا ترتبط بقرار سياسي عابر أو بشخصية معينة داخل النظام، وإنما ترتبط بالهوية الأيديولوجية التي تأسست عليها الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979. بالنسبة للنظام الإيراني، فإن دعم حلفائه الإقليميين جزء من فلسفة وجوده ورؤيته لدوره في المنطقة.
ولهذا فإن مطالبة إيران بالتخلي الكامل عن هذا الدور تعني، من وجهة نظرها، مطالبتها بالتخلي عن أحد أهم الأسس التي قامت عليها الثورة نفسها، وهو أمر يصعب تصوره أو قبوله داخل المؤسسة الحاكمة.
أما الخطأ الخامس فكان سوء تقدير طبيعة هيكل القيادة الإيرانية.
خلال العقود الماضية عملت إيران على تطوير آليات قيادة وسيطرة تسمح باستمرار العمل حتى في حال استهداف القيادات العليا. الفكرة الأساسية كانت تقليل الاعتماد على الأفراد وزيادة قدرة المؤسسات والوحدات المختلفة على مواصلة الأداء بشكل مستقل عند الضرورة.
ولهذا استمرت القدرة على الرد وإطلاق الصواريخ وتنفيذ العمليات رغم الضغوط والاستهدافات المتكررة، وهو ما أظهر أن المواجهة مع إيران ليست معركة قصيرة أو سهلة كما تصور البعض.
الخلاصة أن الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا المواجهة بأهداف كبيرة جدًا: إسقاط النظام، إنهاء البرنامج النووي، تدمير القدرات الصاروخية، تفكيك محور المقاومة، وكسر قدرة إيران على الاستمرار.
لكن المشكلة أن هذه الأهداف بُنيت على تقديرات لم تستوعب بشكل كامل طبيعة المجتمع الإيراني، ولا ثقافته السياسية، ولا بنيته العلمية والعسكرية، ولا الطريقة التي ينظر بها الإيرانيون إلى الصراع والتهديدات الخارجية.
ولهذا، فإن النتيجة النهائية لم تكن كما خُطط لها، لأن الحسابات الأصلية نفسها انطلقت من فهم ناقص للخصم الذي كانت تتم مواجهته.
